عندما كانت المفاوضات بين الوفدين الإيراني والأمريكي في العاصمة الباكستانية إسلام آباد تمضي، كان الرئيس ترامب، ومن البيت الأبيض، يرسل إشارات إلى الداخل الأمريكي بتجديد تأكيده على أن الولايات المتحدة انتصرت في هذه الحرب، وليست بحاجة لانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات الحالية في العاصمة الباكستانية.
ترامب، الذي كان يتحدث إلى مراسلي البيت الأبيض المرافقين له في نهاية الأسبوع، قال إن المفاوضات تمضي، وأنه يتلقى تقارير متواصلة بشأن ذلك، لكنه لم يقدم أية تفاصيل عن المسار الداخلي للمفاوضات، بل عاد مجددًا إلى استعادة روايته السابقة بأن الولايات المتحدة نجحت في إنهاء جميع صور القوة العسكرية الإيرانية من قوات بحرية ومضادات طيران، وكذلك قدراتها الصاروخية.
"بصرف النظر عمّا سيحدث، نحن المنتصرون. لقد ألحقنا هزيمة ساحقة بتلك الدولة. قد يتم التوصل إلى تسوية، كما قد لا يتم ذلك. لقد دمّرنا قدراتهم العسكرية بالكامل. نحن نجري مفاوضات، وسواء توصلنا إلى اتفاق أو لم نتوصل، فإن ذلك لا يشكل فارقًا بالنسبة لي".
أثار هذا التصريح من الرئيس ترامب، وفي نهاية اليوم الأول من مفاوضات إسلام آباد، مزيدًا من الغموض حول أهداف الإدارة من إرسال وفد رفيع المستوى إلى العاصمة الباكستانية بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، لأول مفاوضات من نوعها تخوضها هذه الإدارة منذ وصولها إلى البيت الأبيض مع إيران، على اعتبار أن الجولات السابقة كانت تُدار من قبل كبير المفاوضين الأمريكيين ستيف ويتكوف ومساعده جاريد كوشنر.
الرئيس ترامب ربما حاول التقليل من حجم التوقعات الكبيرة لنتائج هذه المفاوضات، وتقديم تصريحات استباقية للداخل الأمريكي، يشير من خلالها إلى أن رهان إدارته الأساسي هو على القوة العسكرية وما تحقق في الأسابيع الستة الماضية، أما مسألة المفاوضات فإنها قد تصل بالإدارة إلى تحقيق أهدافها عن طريق الدبلوماسية، كما أن ذلك لا يعني أنه مضمون بالكامل في هذه الجولة من المفاوضات.
وفي الوقت الذي أكد فيه ترامب أنه بصدد متابعة مسار المفاوضات، لم يتوقف الحديث في أروقة العاصمة واشنطن عن مفاوضات أمريكية إيرانية مباشرة، وجهًا لوجه، بين المفاوضين من البلدين، لأول مرة منذ العام 1979.
هذه الحالة التاريخية رفعت سقف التوقعات بإمكانية التوصل إلى تسوية تنهي أزمة الحرب الحالية عبر مسار سياسي، حتى لو كان الاعتقاد السائد بين المشرعين من الحزبين يذهب في اتجاه التأكيد على أن مهلة الأسبوعين تُعد ضيقة أمام حجم الملفات المطروحة للتباحث بين الجانبين.
لكن التوصل إلى تحقيق أي تقدم، حتى لو كان محدودًا، من شأنه أن يعزز الثقة بين الطرفين، ويدفع كليهما إلى التمسك بالخيار الدبلوماسي والبحث عن خيارات سياسية، ومنها تمديد فترة وقف إطلاق النار وتجديده لوقت إضافي، كما حدث مع مهلة الرئيس ترامب التي جددها للمرة الخامسة على التوالي عندما كان الوسطاء الإقليميون يسعون إلى إيجاد حلول دبلوماسية بين طهران وواشنطن؛ وهو الأمر الذي تحقق قبل أيام قليلة.
خبر بدء القوات الأمريكية في إزالة الألغام التي وضعتها القوات الإيرانية في مضيق هرمز تناولته جميع المراكز المعنية بالقرار. جاء ذلك في تغريدة من القيادة الوسطى الأمريكية، ثم تأكيد وزير الدفاع بيت هيغسيث للإعلان نفسه، فيما أعاد الرئيس ترامب من جانبه التأكيد على الخبر مرة أخرى خلال حديثه إلى مراسلي البيت الأبيض.
هذه التأكيدات المتجددة من قبل أركان الإدارة لخبر بدء فتح المضيق، والتدخل المباشر للقوات الأمريكية في تنفيذ العملية بعد وقت قصير من بداية المفاوضات في إسلام آباد، تحمل الكثير من الإشارات للداخل الأمريكي.
واحدة من أعقد المشكلات التي تواجهها الإدارة في المرحلة الحالية هي ذلك الارتفاع القياسي في أسعار الوقود، بصورة لم تسجل معها هذه الأرقام في ولايتي ترامب الأولى والثانية، إضافة إلى أن هذه الأسعار، التي باتت تشكل ألمًا للعائلات الأمريكية في محطات التزود بالوقود، لم تشهدها البلاد منذ العام 2022، عندما قادت الولايات المتحدة تحالفًا عالميًا لمواجهة الحرب الروسية على أوكرانيا تحت قيادة الرئيس السابق جو بايدن.
هذه الأزمة باتت في المرحلة الحالية في مركز اهتمامات الإدارة، خاصة بعد صدور التقرير الدوري لوضع التضخم في البلاد، والذي أشار إلى أن مستوى التضخم ارتفع مجددًا بصورة قياسية خلال الشهر الأخير، وهو مستوى لم تشهده إدارة الرئيس ترامب منذ وصولها إلى البيت الأبيض قبل عام وثلاثة أشهر من الآن.
هذا الانعكاس المباشر للحرب على أسعار الوقود بصورة متصاعدة، وامتداد أزمة ارتفاع الأسعار إلى الأساسيات اليومية في حياة الأمريكيين، مسألة تقلق مسؤولي إدارة الرئيس ترامب بصورة غير مسبوقة.
بسبب هذه التطورات الداخلية، حرصت الإدارة على التأكيد، من خلال جميع مسؤوليها، على أن أزمة الوقود في طريقها إلى الحل بعد تدخل القوات الأمريكية مباشرة في التعامل مع ألغام المضيق، وأن عودة حركة السفن التجارية إلى طبيعتها في المضيق سوف تعيد التوازن إلى الأسواق الأمريكية، ومن ورائها الأسواق العالمية كذلك.
المضيق.. وهذا وجه آخر للأزمة السياسية في واشنطن، حيث سيكون الرئيس ترامب في مواجهة أسبوع ساخن بدءًا من هذا الاثنين، عندما يعود أعضاء الكونغرس للعمل مجددًا في مبنى الكابيتول بعد انقضاء عطلة الربيع.
الرئيس ترامب والنواب الجمهوريون سيكونون في مواجهة مشروعين قانونيين، وكلاهما يحتاج إلى جهد وتنسيق مشتركين بين البيت الأبيض وقيادات الحزب الجمهوري في الكونغرس، لأجل مواجهة الديمقراطيين الساعين إلى طرح مشروعَي عزل الرئيس ترامب بسبب تهديده بارتكاب جرائم حرب بحق الإيرانيين، وكذلك تقديم مشروع للحد من صلاحياته في شن مزيد من العمليات العسكرية.
في كلتا الحالتين، يعتقد الديمقراطيون أن هناك زخمًا سياسيًا داخليًا سيكون في صالحهم هذه المرة، خاصة في ظل الارتباك الذي تشهده حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" المؤيدة تقليديًا للرئيس ترامب، لأن ممثلي الحركة في مجلس النواب وخارجه باتوا يطرحون انتقادات علنية لسياسات الرئيس ترامب، وحول ما إذا كانت لا تزال تضع أمريكا في المقام الأول في سياساتها، أم أن هناك توجهًا مغايرًا يتبعه الرئيس ترامب في فترة حكمه، وهو التوجه الذي يقول بشأنه هؤلاء إنه يختلف عن ذلك الذي وعد به أنصاره خلال سعيه للفوز بولاية رئاسية ثانية.