يرى خبراء أن مفاوضات إسلام آباد المتعثرة لم تكن سوى "مباراة بوكر" مكشوفة الأوراق، حيث دخلت إدارة ترامب بذهنية "تفكيك البرنامج الإيراني" وفرض شروط الاستسلام، بينما تمترست طهران خلف مطالب رفع العقوبات مع استمرار المراوغة التكتيكية.
وأوضحوا لـ"إرم نيوز"، أن استمرار حشد القوات الأمريكية حول إيران، كان بمثابة ممارسة أقصى ضغط من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على طهران، لقبولها بشروطه، في الوقت الذي تراوغ فيه الأخيرة وتتشدد في مطالبها على الطاولة.
وكان البيت الأبيض أفاد مؤخراً بأن إسلام آباد شهدت مباحثات ثلاثية وجهاً لوجه، بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان، على عكس المفاوضات التي كانت في الأشهر الماضية لواشنطن وطهران عبر وسطاء.
وتؤكد الباحثة المتخصصة في التواصل السياسي، الدكتورة نسرين علي ميتا، أن اجتماعات إسلام آباد تشير إلى أن التفاوض ذاته، أصبح ساحة معركة، ونموذجاً متقدماً للانهيار المدار، وتفاوضاً بلا نية للاتفاق وحواراً بلا رغبة في السلام.
وأضافت لـ"إرم نيوز"، أن ذلك يعد أفضل ما يمكن لمنع انفجار إقليمي شامل، في ظل غياب شروط التسوية الحقيقية، حيث إن أي فرصة تاريخية في المفاوضات، تحتاج رغبة مشتركة وقائدين راغبين في بيع السلام للجمهور ووسيطاً قوياً، وهذا كله غير موجود.
وبحسب ميتا، لا تريد إدارة ترامب اتفاقاً نووياً طويل الأمد بل تفكيك البرنامج عسكرياً؛ ما يعتبر طلب استسلام غير معلن وطهران بدورها لا ترغب في تطبيع إستراتيجي بل رفع عقوبات، يسمح لها بتعزيز ما تسميه "مقاومة"، أما باكستان كوسيط فهي طرف ضعيف.
وأوضحت أن كل ذلك يظهر أن الفجوة جيوسياسية وليست تكتيكية، في ظل رغبة واشنطن، تفكيك التحالف الإيراني الصيني الروسي واختبار إمكانية الحصول على تنازلات نووية دون تقديم ضمانات أمنية حقيقية.
وتابعت أن ما يجري ليس تفاوضاً حقيقياً ولكنه مباراة "بوكر" مكشوفة الأوراق والهدف الحقيقي ليس اتفاقاً بل منع انهيار سقف التصعيد وهذه الصيغة الهشة، قد تكون أفضل ما يمكن توقعه حتى إشعار آخر.
وأردفت أنه يجب ألا ننسى مدى تعقيد ربط ملفات متعددة؛ ما بين التداخل في الحرب الإقليمية ومسار نووي وعقوبات وممرات بحرية، تجعل أي تقدم في أحد الملفات، يهدد بتعثر ملف آخر.
واستطردت: "عندما تصبح الخسارة التفاوضية لدى أي طرف مرتبطة بالقدرة على ضمان التنفيذ، يتحول كل بند إلى اختبار نوايا وليس مجرد نص".
وخلصت إلى أن فرص هذه الجولة، لا تأتي من حسن نية بل من وجود حد أدنى من الحوافز للتهدئة، وقد يثبت في إسلام آباد إمكانية التفاوض، لكن من الصعب إثبات قدرة كل طرف على تحويل عدم الثقة إلى العكس ومن ثم التنفيذ على أرض الواقع.
وبدوره، يقول الباحث في العلاقات الدولية، الدكتور سعد عبد الله الحامد، إن مفاوضات إسلام آباد لحظة فارقة في تاريخ الدبلوماسية الدولية، حيث تأتي في أعقاب صراع عسكري عنيف استمر لمدة 40 يوماً، في ظل أطروحات عدم وجود ثقة متبادلة بالمباحثات.
وتبرز هذه المفاوضات كما يرى الحامد لـ"إرم نيوز"، وسط وجود فرصة لباكستان للظهور كوسيط نزيه، يمتلك ثقلاً وعلاقات جيدة مع واشنطن وطهران؛ ما يمنحها قدرة استيعاب التناقضات في وقت تعمل فيه إسلام آباد على إشراك المجتمع الدولي والأمم المتحدة في ذلك.
واعتبر أن إدخال الجانب الخليجي والدولي كطرف تفاوضي بشكل غير مباشر، يضفي شرعية أكبر على الاجتماعات ويجعلها تحقق الأهداف المرجوة، في وقت قدّمت فيه باكستان 15 نقطة لوقف إطلاق النار، بمثابة أساس فني تنطلق منه المباحثات، شملت قضايا شائكة، مثل: التخصيب وحرية الملاحة في هرمز.
وبجانب الشك المتبادل بين أطراف النزاع، حضر التوتر عبر تصريحات ذات نبرة عالية، كالتي خرجت من الدبلوماسي بريت ماكغورك، بأن إمكانية التوصل لاتفاق نهائي خلال هذه الجولة منعدمة، بسبب الفجوات الواضحة.
وصاحب ذلك تحذير نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، إيران من المراوغة، مؤكداً أن يد واشنطن ممدودة ولكن يصاحبها استعداد لاستئناف الضربات العسكرية، وذلك في الوقت الذي تراوغ فيه طهران وتتشدد في مطالبها.
ويقابل ذلك تخوّف المفاوض الإيراني وفق الحامد، من تجارب سابقة أعقبت خطوات دبلوماسية جاء معها تصعيد عسكري؛ ما جعل طهران تطلب ضمانات يمكن التحقق منها، وهو ما يصعب على إدارة ترامب تقديمه في ظل الضغوطات الداخلية الكبيرة في الولايات المتحدة.
وبجانب ذلك، فإن استمرار حشد القوات الأمريكية حول إيران مع عقد المفاوضات، ممارسة لأقصى ضغط من ترامب على طهران، لقبولها بشروطه؛ ما تراه الأخيرة أمراً يهدد سلامة النوايا، ويشكك في نجاح المفاوضات.