قال تقرير لموقع "المونيتور" إنه قبل جولة ثانية محتملة من المحادثات الأمريكية الإيرانية، يكمن السؤال الرئيسي في إلى أي مدى ستكون طهران مستعدة للذهاب دون التخلي عما تعتبره أصلاً استراتيجياً أساسياً: برنامجها النووي.
وتشير التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسؤولين ونواب إيرانيين ووسائل إعلام موالية للدولة إلى أن إيران تتبنى نهجاً تفاوضياً يسمح ببعض المرونة مع الحفاظ على حدودها الصارمة.
ورغم وجود مؤشرات على أن إيران قد تكون منفتحة على حلول وسط عملية، على سبيل المثال، فيما يتعلق بالتوقيت والتفاصيل الفنية، فهي لا تزال تقاوم أي اتفاق من شأنه أن يُنظر إليه على أنه خطوة كبيرة إلى الوراء في سبيل تحقيق طموحاتها النووية.
ووفق التقرير "يكمن جوهر هذا التوازن الدقيق في قضيتين: تخصيب اليورانيوم ومصير مخزون إيران من اليورانيوم - وكلاهما حددهما ترامب كمعيارين أساسيين لأي اتفاق.
وجاءت إحدى أوضح الإشارات على موقف إيران الحالي من النائب أحمد بخشايش أردستاني، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان.
وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الإيرانية قال إن واشنطن اقترحت تعليق تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً، بينما سعت إيران إلى فترة أقصر بكثير. وأضاف: "قالت إيران إنها يجب أن تكون مدة التعليق من رقم واحد، حوالي 5 سنوات، وهو ما رفضته".
وبالنسبة لواشنطن، يهدف التجميد طويل الأمد إلى فرض قيود دائمة على القدرات النووية الإيرانية. أما بالنسبة لطهران، فمن المرجح أن يُنظر إلى مثل هذه الفترة الزمنية على أنها تخلّ عن برنامج تابعته لعقود تحت وطأة العقوبات والضغوط ، والذي تعتبره جزءاً أساسياً من ترسانتها الردعية.
لكن إيران تدرك أن عرضها المضاد - وهو تجميد مؤقت لمدة ثلاث إلى خمس سنوات - سيكون غير مقبول للولايات المتحدة، مما يعكس موقف طهران الراسخ بأن التخصيب نفسه ليس قابلاً للتفاوض، حتى لو أمكن تعديل نطاقه أو وتيرته بشكل طفيف.
ودعت الولايات المتحدة أيضًا إلى نقل اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب إلى الخارج، واصفةً ذلك بأنه خطوة ضرورية لبناء الثقة. إلا أن طهران رفضت هذا المقترح.
وقال ترامب يوم الجمعة إن إيران "وافقت على كل شيء" وأن الدولتين ستعملان معًا لإزالة المواد المخصبة. ومع ذلك، نفى مسؤول إيراني لم يُكشف عن اسمه، ونقلت عنه وسائل الإعلام الرسمية يوم الجمعة، مزاعم إجراء مناقشات حول "أي نقل للمخزون النووي على الإطلاق".
وبدلاً من ذلك، يبدو أن إيران تقدم تنازلاً محدوداً. فبحسب النائب الإيراني أحمد بخشايش أردستاني، فإن طهران مستعدة لتخفيف تركيز 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب داخل البلاد تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
هذا التمييز مهم. فالتخفيف من شأنه أن يقلل من خطر الانتشار الفوري مع السماح لإيران بالاحتفاظ بالسيطرة على المواد، أما إرسال المخزون إلى الخارج، على النقيض من ذلك، فسيزيل مصدراً رئيسياً للضغط، ومن وجهة نظر طهران، وسيخلق ضعفاً على المدى الطويل.
السعي لإنهاء الحرب بشكل دائم
ولا تزال التقارير التي تتحدث عن إمكانية التوصل إلى تسوية، بما في ذلك شحن جزئي لمواد مخصبة نووياً مقابل تخفيف العقوبات، غير مؤكدة ومحل جدل داخل النظام الإيراني نفسه. وتشير الرسائل الرسمية إلى أن التسليم الكامل يظل خطاً أحمر لا يقبل المساومة.
وربط مسؤولون إيرانيون كبار أي اتفاق دائم بالظروف الإقليمية الأوسع. وقال نائب وزير الخارجية سعيد خطيب زاده في الأيام الأخيرة إن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل جميع الجبهات - "من لبنان إلى البحر الأحمر" - وأن طهران لن تقبل إلا بتسوية دائمة تنهي "دوامة الحرب نهائياً".
يشير هذا إلى نهج إيراني أوسع نطاقاً: ربط التنازلات النووية بالديناميات الإقليمية لتوسيع نطاق المحادثات وتعزيز نفوذها.
ووفق "المونيتور" فإن "هذا يجعل المفاوضات أكثر تعقيداً أيضاً. فكلما زادت القضايا المطروحة في صفقة محتملة، كلما صعب التوصل إلى اتفاق، لا سيما عند وجود أطراف ثالثة، مثل إسرائيل وغيرها من الجهات الفاعلة الإقليمية.
وتابع: "يعكس خطاب طهران انعدام ثقة عميق. وقد حذر المسؤولون مراراً مما وصفوه بـ"المطالب الأمريكية المفرطة"، مع التأكيد على أن المفاوضات لن تُجرى تحت أي ضغط".
مقاومة القيود طويلة الأجل
وبعيداً عن المفاوضات المباشرة، هناك سؤال أوسع نطاقاً: هل يمكن أن يمهد الاتفاق الطريق للتطبيع بين إيران والولايات المتحدة؟
حتى بين الأصوات الأكثر واقعية، يُتوقع التقارب لا التعايش. وهذا يشير إلى أن أي اتفاق ناجح سيكون على الأرجح محدود النطاق، ويركز على خفض التصعيد بدلاً من إحداث تغيير جذري.
وبحسب تحليل "المونيتور"، "يعكس الموقف الإيراني الحالي استراتيجية تقبل قيوداً قصيرة الأجل وقابلة للتراجع على برنامجها النووي، وتسمح باتخاذ خطوات تقنية مثل تخفيف تركيز اليورانيوم، وتبقي القنوات الدبلوماسية مفتوحة، وفي الوقت نفسه، تقاوم إيران فرض قيود طويلة الأجل على التخصيب، وترفض نقل مخزونها النووي إلى الخارج، وترفض فصل المفاوضات النووية عن الديناميات الإقليمية الأوسع.
والنتيجة هي فجوة واسعة بين الجانبين، حيث تسعى واشنطن إلى اتفاق يتضمن قيوداً طويلة الأمد وقابلة للتحقق، في المقابل، تقدم طهران تنازلات مؤقتة بينما تضغط من أجل تحقيق مكاسب أوسع، بما في ذلك تخفيف العقوبات عن اقتصادها المتعثر ، الذي ازداد تضرراً جراء الصراع.