شهدت أوكرانيا، خلال الساعات الماضية، هجومًا جويًا وصاروخيًا واسع النطاق نفذته روسيا، وُصف بأنه الأكبر منذ بداية عام 2026، شمل أكثر من 700 طائرة مسيرة و44 صاروخًا، بينها 19 صاروخًا باليستيًا، استهدفت مدن كييف وأوديسا ودنيبرو وبولتافا؛ ما أسفر عن مقتل 18 شخصًا على الأقل، بينهم طفل، وإصابة أكثر من 100 آخرين.
وأعلن الجيش الأوكراني أنه تمكن من إسقاط 667 هدفًا جويًا خلال الهجوم، مع الإشارة إلى استمرار العمليات الدفاعية رغم الضربات المكثفة.
وأقر بوجود نقص في صواريخ الدفاع الجوي، في ظل تكرار الهجمات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، خاصة شبكات الكهرباء والمرافق اللوجستية، والذي تسبب في انقطاعات وتأثيرات مباشرة على الخدمات الأساسية.
وفي أعقاب الهجوم، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع رسمي، إن واشنطن تترك كييف وحدها لأنها مشغولة في الخليج، وإنهم يحاولون السيطرة على مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه يطلبون منا التحلي بالصبر في أوكرانيا، لكننا لن ننتظر، ونحن نعرف كيف نستغل الفرص.
من جانبه، صرح دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، خلال مؤتمر صحفي تناول تطورات العلميات العسكرية، بأن الوضع في الخليج أعطى روسيا هامشا استراتيجيا لإعادة ترتيب الأولويات في أوروبا.
وفي السياق ذاته، كشف تقرير لموقع "أكسيوس"، أن الولايات المتحدة أعادت توجيه بعض الموارد العسكرية في ظل التصعيد مع إيران، مع استمرار التصريحات الرسمية حول دعم كييف.
وقال الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن هناك تأخيرا ملحوظا في تسليم بعض شحنات الأسلحة خلال الـ72 ساعة الماضية، مؤكدًا استمرار التنسيق مع الحلفاء لتأمين الدعم العسكري.
وعلى وقع أعنف هجوم روسي على أوكرانيا منذ بداية العام، كما وصفه المراقبون، وتصريحات الرئيس الروسي بأن واشنطن تترك كييف وحدها؛ لأنها مشغولة بإيران، يبقى السؤال هل هذا الاعتراف بأن الحرب الإيرانية الأمريكية أصبحت فرصة ذهبية لموسكو لتغيير ميزان القوى في أوروبا؟
أكد فولوديمير شوماكوف، الدبلوماسي الأوكراني السابق، أن تصاعد العمليات العسكرية الروسية لا يمكن اعتباره «فرصة ذهبية» لموسكو، بل يمثل وضعا معقدا يحمل في طياته تحديات إستراتيجية واقتصادية متشابكة.
وفي حديث لـ«إرم نيوز»، أوضح أن أوكرانيا تنفذ عمليات دقيقة وممنهجة تستهدف البنية التحتية الحيوية داخل روسيا، خاصة الموانئ ومستودعات النفط ومنشآت التكرير، وهو ما يؤدي إلى تقليص قدرة موسكو على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط والطلب العالمي عليه.
وأضاف شوماكوف، أن هذه الضربات تخلق «صداعا استراتيجيا» لروسيا؛ لأنها تحد من عوائدها المالية في توقيت تحتاج فيه بشدة إلى تمويل العمليات العسكرية.
وأشار إلى أن الحديث عن توسيع الهجمات الروسية خارج الأراضي الأوكرانية لا يستند إلى معطيات واقعية حاليًا، لافتًا إلى أن موسكو لا تزال غارقة في تعقيدات الميدان الأوكراني وتواجه صعوبات في تحقيق أهدافها الأساسية.
وأكد شوماكوف أن القوات الأوكرانية تواصل الضغط عبر عمليات تسلل واستنزاف على الجبهات، وهو يكشف محدودية قدرة روسيا على فتح جبهات جديدة أو خوض عمليات واسعة ضد دول أخرى.
وكشف أن استمرار الحرب يخدم بدرجات متفاوتة مصالح قوى دولية مثل الصين، موضحًا أن أي إضعاف لحلف الناتو يصب في مصلحة بكين وموسكو.
ديميتري بريجع، مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أكد، من جهته، أن الهجوم الروسي الحالي يركز بالأساس على استكمال السيطرة على المناطق التي لم تُحسم بعد، خاصة بعض المقاطعات التي لا تزال خارج السيطرة الكاملة.
وقال في تصريح لـ«إرم نيوز»، إن التطورات في إيران قد تفتح المجال أمام تفاهمات روسية–أمريكية، مع احتمال وجود تنسيق مباشر أو غير مباشر، لافتًا إلى إمكانية أن تلعب موسكو دور الوسيط في ملفات حساسة تتعلق بطهران مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية ودورها الإقليمي.
وأشار بريجع إلى أن انشغال الولايات المتحدة والدول الغربية بملفات الشرق الأوسط، وعلى رأسها أمن مضيق هرمز وتأمين حركة التجارة العالمية، يمنح روسيا هامشا نسبيا للاستفادة نتيجة تراجع الاهتمام المؤقت بالملف الأوكراني.
وشدد على أن هذا التحول قد يكون محدودا زمنيا، مع اتجاه دول أوروبية كألمانيا وفرنسا وبولندا إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ؛ وهو ما يعزز قدراتها الدفاعية ويؤسس لتحولات أوسع في بنية الأمن الأوروبي.
ولفت إلى أن هذه التطورات تثير تساؤلات حول مستقبل القارة واحتمالات التصعيد مع روسيا، خاصة مع تصاعد النقاشات حول التجنيد الإجباري وتغيير الأولويات الداخلية.
وأشار إلى احتمال حدوث تغيرات في بنية الاتحاد الأوروبي وتراجع بعض السياسات الليبرالية لصالح التركيز على الأمن والدفاع، مع إمكانية ظهور انقسامات داخل الناتو وتشكّل تكتلات جديدة.
وكشف أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب لكنه لا يزال في طور التشكل؛ وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات تنافس وصدام بين التحالفات المختلفة.