قبل أسابيع قليلة، كانت العلاقات بين الولايات المتحدة والهند تمر بفترة توتر روتينية، حيث وجهت واشنطن تحذيرات متكررة لنيودلهي بشأن مشترياتها من النفط الروسي، فيما أعربت الهند عن استيائها من هذه التدخلات، وتعطلت المحادثات التجارية وسط تهديدات أمريكية بفرض تعريفات جمركية جديدة.
لكن المشهد تغير بشكل مفاجئ في الثاني من فبراير، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن اتفاق تجاري غير متوقع مع الهند، بحسب مجلة "نيوزويك".
نص الاتفاق على خفض التعريفات الجمركية الأمريكية على البضائع الهندية إلى 18%، وإلغاء رسم جمركي جزائي بنسبة 25% مرتبط بمشتريات الهند من النفط الروسي.
ونشر ترامب الإعلان على منصته الرسمية "تروث سوشيال"، مؤكداً أن نيودلهي وافقت على التوقف عن شراء النفط الروسي، واصفاً الاتفاق بأنه "انتصار هائل للعمال الأمريكيين ومنتجي الطاقة والأمن العالمي".
من جهته، ركز رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على المكاسب الاقتصادية لمصدّري بلاده دون الإشارة إلى جانب النفط الروسي، وقال على منصة "إكس": "يسعدني أن المنتجات المصنعة في الهند ستخضع الآن لتعريفة جمركية مخفضة بنسبة 18%؛ شكراً للرئيس ترامب نيابة عن 1.4 مليار نسمة في الهند".
لم يكن الإعلان عشوائياً، بل جاء بعد تنسيق دبلوماسي دقيق؛ إذ سبقه تصريح مقتضب للسفير الأمريكي الجديد لدى الهند، سيرجيو غور، أشار فيه إلى مكالمة مرتقبة بين ترامب ومودي؛ ما جعل الأسواق والدبلوماسيين يتوقعون خطوة كبيرة على مستوى عالٍ.
ويبدو أن توقيت الصفقة جاء نتيجة اتفاقية الاتحاد الأوروبي-الهند الأخيرة، والتي وصفت بـ"التاريخية"، ومنحت نيودلهي نفوذاً متزايداً على المستوى الدولي.
وقد أشاد مودي بالاتفاقية الأوروبية قائلاً: "لقد خطت الهند وأوروبا خطوة كبيرة إلى الأمام، تفتح آفاقاً جديدة للنمو والاستثمار والتعاون الاستراتيجي".
من منظور واشنطن، فإن التوقيت مرتبط بضغوط متعددة: الحفاظ على نفوذ أمريكي في آسيا، وتأمين خطوط الطاقة، وخلق شريك صناعي ودفاعي بديل عن الصين.
وبحسب تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، فإن خفض الرسوم الجمركية يهدف إلى تقليل عائدات النفط الروسي، وبالتالي زيادة الضغط على موسكو لإنهاء الحرب في أوكرانيا، مع الحفاظ على استقرار الأسواق العالمية للطاقة.
تكتسب الصفقة أهمية كبرى في ظل التوترات الإيرانية الأخيرة، حيث تشير تقارير رويترز إلى أن المسؤولين الإيرانيين يخشون أن تؤدي أي ضربة أمريكية محدودة إلى زعزعة استقرار النظام، فيما تتجدد المحادثات النووية بين واشنطن وطهران.
ويعكس هذا أن أي تصعيد في الشرق الأوسط قد ينعكس سريعاً على أسعار النفط العالمية ويؤثر على سياسات التحالفات الاستراتيجية.
سياسياً، يحقق ترامب تغطية إعلامية واسعة تحت شعار "السلام عبر النفوذ"، بينما يكسب مودي تخفيفاً للرسوم الجمركية ودعماً لصادرات بلاده.
أما الدافع الأعمق، فيتعلق بسلاسل التوريد الاستراتيجية: فواشنطن تسعى لترسيخ الهند كشريك صناعي ودفاعي بعيداً عن النفوذ الصيني، فيما تريد نيودلهي دليلاً واضحاً على جدوى التحالف مع الولايات المتحدة في المجالين الاقتصادي والجيوسياسي، وبسرعة.
باختصار، فإن هذه الصفقة لم تكن مجرد تحرك تجاري، بل هي خطوة استراتيجية مزدوجة، تجمع بين مصالح الطاقة، والاقتصاد، والتحالفات الجيوسياسية، وتضع العلاقات الأمريكية الهندية على مسار جديد بعد فترة من التوتر والجمود.