دفعت كارثة المدمرة الأمريكية "كول" عام 2000 البحرية الأمريكية إلى إعادة التفكير جذريًّا في دفاعات سفنها الحربية، وهي التغييرات التي تؤدي اليوم دورًا محوريًّا في انتشار المدمرات الأمريكية التي تفرض حصارًا بحريًّا على الموانئ الإيرانية وسط تصاعد التوترات في مضيق هرمز.
ففي أكتوبر 2000، تعرَّضت المدمرة الأمريكية "يو إس إس كول" لهجوم انتحاري بقارب صغير محمل بالمتفجرات أثناء توقفها في ميناء عدن باليمن؛ ما أدى إلى إحداث فجوة بعرض نحو 40 قدمًا في هيكل السفينة، ومقتل 17 بحارًا وإصابة 39 آخرين.

ورغم أن السفينة نجت من الغرق، فقد شكَّل الهجوم صدمة إستراتيجية للبحرية الأمريكية، وأبرز مدى هشاشة السفن الحربية أمام هجمات منخفضة التكلفة وغير تقليدية.
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، يُنظر إلى هذا الهجوم اليوم باعتباره نقطة تحول في الإستراتيجية البحرية الأمريكية، خصوصًا مع عودة التوترات في الشرق الأوسط، حيث تنفذ الولايات المتحدة حاليًّا حصارًا بحريًّا على الموانئ الإيرانية باستخدام نحو 12 مدمرة من طراز "أرلي بيرك" تعمل في خليج عُمان وبحر العرب.
جاء نشر المدمرات الأمريكية في وقت فرضت فيه إيران قيودًا على الملاحة في مضيق هرمز، مهددة باستهداف أي سفينة تحاول العبور دون إذن، فيما أشارت تقارير إلى زرع ألغام بحرية وتعرُّض سفن تجارية لإطلاق نار؛ ما رفع من مستوى المخاطر في المنطقة.
كما صعّدت واشنطن التوتر عندما استولت مدمرة أمريكية على سفينة شحن إيرانية بدعوى خرق الحصار؛ ما عزز المخاوف من تحوّل المواجهة إلى اشتباك بحري مباشر.
وفي هذا السياق، يبرز السؤال الرئيسي: هل تستطيع الدفاعات التي طورتها البحرية الأمريكية منذ هجوم "كول" حماية سفنها من هجمات إيرانية محتملة؟

بعد الهجوم، أنشأت البحرية الأمريكية قوة مهام خاصة لتطوير وسائل دفاع جديدة للسفن، وشملت التحديثات إضافة أسلحة آلية إضافية وقاذفات قنابل، إلى جانب تطوير أنظمة الاستشعار والإنذار المبكر.
كما جرى تحديث مروحيات "سيهوك" التي تحملها المدمرات، حيث أصبحت مزودة بأنظمة رصد وأسلحة أكثر تطورًا؛ ما يسمح لها باعتراض التهديدات قبل اقترابها من السفن.
وفي عام 2007، عززت البحرية تسليح السفن بمدافع رشاشة مزدوجة عيار 7.62 ملم وعيار 0.50 لزيادة القدرة الدفاعية قصيرة المدى. كما طورت قذائف جديدة بقطر 5 بوصات مصممة خصوصًا لمواجهة الزوارق الصغيرة والسريعة باستخدام كريات من التنجستن لتوسيع نطاق التدمير.
رغم هذه التحسينات، يحذر خبراء من أن طبيعة التهديدات البحرية تطوّرت بشكل كبير، خاصة مع انتشار الطائرات المسيّرة والزوارق السريعة.
وقال برايان كلارك، الباحث في معهد هدسون لـ"نيويورك تايمز"، إن التحدي الأكبر يتمثل في احتمال شن هجمات جماعية باستخدام عشرات الزوارق المسيّرة، وهو ما قد يتجاوز قدرة السفن على التصدي لجميع الأهداف في وقت واحد.
كما أظهرت الحرب في أوكرانيا تطورًا كبيرًا في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن، وهو ما أدى إلى إغراق سفن روسية بارزة، بينها الطراد "موسكفا" في 2022؛ ما دفع الخبراء إلى التحذير من أن إيران قد تعتمد تكتيكات مماثلة.
تشير التقديرات إلى أن إيران لا تسعى لمواجهة بحرية تقليدية مع الولايات المتحدة، لكنها تعتمد على الزوارق السريعة والصواريخ والطائرات المسيّرة لتعويض الفارق العسكري.
كما يمتلك الحرس الثوري الإيراني مخزونًا كبيرًا من صواريخ كروز المضادة للسفن التي يمكن إطلاقها من منصات متنقلة على الساحل، وهو ما يقلص وقت رد الفعل للسفن الأمريكية القريبة من الشاطئ.

في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة على منظومة دفاع متعددة الطبقات تشمل طائرات "ريبر" المسيّرة التي توفر إنذارًا مبكرًا، إضافة إلى المروحيات المسلحة من طراز "سيهوك" التي يمكنها اعتراض الزوارق المعادية بصواريخ "هيلفاير" الموجهة.
كما تسمح هذه المروحيات للسفن بتوسيع نطاق دفاعها لمسافة تصل إلى نحو 300 ميل؛ ما يمنح المدمرات الأمريكية فرصة أفضل للتعامل مع التهديدات قبل وصولها.
وتعكس مواقع انتشار المدمرات الأمريكية الحالية حذرًا واضحًا، إذ تتمركز على مسافة تزيد على 400 ميل جنوب شرق مضيق هرمز، مع الحفاظ على قرب كافٍ لتنفيذ الحصار البحري.
ويرى خبراء أن هذا الانتشار يهدف إلى تقليل خطر الهجمات المفاجِئة، مع الاحتفاظ بقدرة الرد السريع، خاصة في ظل تصاعد التوترات واستعداد الطرفين لسيناريوهات المواجهة البحرية.
وبعد أكثر من 25 عامًا على هجوم "كول"، يبدو أن الدروس التي تعلمتها البحرية الأمريكية لا تزال تشكل أساس إستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط، لكنَّ التطور السريع في أساليب الحرب البحرية يجعل أي مواجهة محتملة في مضيق هرمز اختبارًا حقيقيًّا لهذه الدفاعات.