تحول مضيق هرمز إلى أحد أكثر ملفات الصراع أهمية في الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بعد تراجع حركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم، في تطور أعاد هذا المضيق الحيوي إلى قلب المعادلة الجيوسياسية والاقتصادية في المنطقة.
يرى مختصون أن ما يجري في هذا الممر البحري رفع مستوى المخاطر في أسواق الطاقة العالمية، وفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت طهران تستخدم المضيق كورقة ضغط إستراتيجية قد تغير مسار الحرب، خصوصاً في ظل اعتماد جزء كبير من تجارة النفط والغاز العالمية على هذا الشريان البحري الضيق.
ويُعد مضيق هرمز الشريان البحري الأهم لتجارة الطاقة في العالم، إذ تمر عبره يوميًّا كميات ضخمة من النفط والغاز القادم من دول الخليج نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية.
وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن ما بين 18 و20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية تعبر المضيق يوميًّا، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط، إلى جانب نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، معظمها قادم من قطر.
كما تعتمد بضع دول خليجية بشكل شبه كامل على هذا الممر لتصدير نفطها؛ ما يجعل أي اضطراب فيه كفيلًا بإحداث صدمة فورية في أسواق الطاقة العالمية.
ويطرح مختصون تساؤلات تتعلق بمدى قدرة إيران على تعطيل الملاحة لفترة طويلة، وما إذا كان تعطيل المضيق سيبقى ضمن حدود الضغط التكتيكي، أم يتحول إلى خطوة تصعيدية واسعة قد تغير مسار الحرب وتدفع القوى الدولية إلى التدخل لفرض تسوية توقف القتال وتعيد فتح أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
في هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الأمنية مجاهد الصميدعي لـ"إرم نيوز", إن "إحدى أهم الأوراق التي تملكها إيران في هذه الحرب هي مضيق هرمز، فبعد توسع رقعة المواجهة لتشمل معظم دول الشرق الأوسط تقريبًا، تبقى هذه الورقة الأكثر حساسية في يد طهران".
وأضاف الصميدعي أن "ضيق المضيق يمنح إيران ميزة تكتيكية مهمة، إذ يمكنها استخدام الطائرات المسيرة والزوارق السريعة والألغام البحرية لتهديد الملاحة أو تعطيلها، وحتى مجرد التهديد بضرب السفن كفيل بإرباك حركة النقل البحري ودفع شركات الشحن إلى التوقف أو تغيير مساراتها".
يبلغ عرض المضيق في أضيق نقاطه نحو 33 كيلومترًا فقط، فيما لا تتجاوز ممرات الملاحة الفعلية فيه بضعة كيلومترات، ما يجعله من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
كما أن الضفة الشمالية للمضيق تقع بالكامل تقريبًا تحت السيطرة الإيرانية؛ ما يمنح طهران قدرة على مراقبة حركة السفن وتهديدها في حال تصاعد الصراع.
وفي المقابل، تحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري بحري واسع في مياه الخليج، حيث ينتشر الأسطول الخامس الأمريكي وقواعد عسكرية بحرية وجوية قادرة على حماية خطوط الملاحة الدولية.
كما تشارك بضع دول غربية في عمليات مراقبة وتأمين الملاحة في الخليج؛ ما يجعل بقاء المضيق مغلقًا خطوة قد تقود إلى مواجهة بحرية مباشرة.
بدوره، قال الباحث في الشؤون الدولية حسين الطائي، إن "إغلاق مضيق هرمز بشكل كامل يُعد خطوة عالية المخاطر؛ لأن الولايات المتحدة تعتبر حرية الملاحة في هذا الممر جزءًا من أمنها الإستراتيجي، وأي تعطيل طويل له قد يدفع إلى مواجهة بحرية مباشرة".
وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن "السيناريو الأكثر واقعية هو استخدامه كورقة ضغط عبر تعطيل جزئي للملاحة، بما يرفع كلفة الحرب اقتصاديًّا على الأطراف المتصارعة ويدفع نحو البحث عن تسوية سياسية".
ويرى مراقبون أن تطورات المضيق قد تسير وفق عدة سيناريوهات خلال المرحلة المقبلة، أولها بقاء الوضع الحالي المتمثل بتراجع حركة السفن وارتفاع المخاطر الأمنية دون إغلاق كامل للممر البحري، وهو ما قد يُبقي أسواق الطاقة في حالة توتر مستمر ويؤدي إلى ارتفاع تدريجي في أسعار النفط.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تصعيد أكبر يؤدي إلى تعطيل شبه كامل لحركة الملاحة، سواء نتيجة عمليات استهداف للسفن أو نشر ألغام بحرية، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى تنفيذ عمليات عسكرية مباشرة لإعادة فتح المضيق.
في حين يبقى السيناريو الثالث مرتبطًا بتحول المضيق إلى ورقة تفاوض سياسية، إذ قد تستخدم طهران التهديد المستمر بإغلاقه للضغط على القوى الدولية من أجل وقف الحرب وفتح مسار تفاوضي جديد، خصوصًا مع التأثير المباشر لأي اضطراب بالمضيق في الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.