خامنئي لترامب: لن تتمكن أنت أيضا من إسقاط الجمهورية الإسلامية
رغم أن تصريحات الرئيس البولندي كارول نافروتسكي حول ضرورة امتلاك بلاده السلاح النووي، لم يُثر نقاشاً واسعاً، لكنه أعاد تسليط الضوء على معضلة أوروبية شائكة عنوانها "الردع النووي".
ومن المعروف أن أوروبا تعتمد، ومنذ عقود، على المظلة النووية الأمريكية ضمن حلف شمال الأطلسي "الناتو"، غير أن هذه "المسلمة الأمنية" بدأت تتعرض للشكوك في ظل التوتر الذي أصاب التحالف عبر الأطلسي، في السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويرى خبراء، أن هذا السياق السياسي يُكسب تصريحات الرئيس البولندي أهمية بالغة، إذ تشير إلى أن "القارة العجوز" بدأت في البحث عن "ردع نووي" خاص بها، بمعزل عن واشنطن، وهو ما تدعو اليه أيضاً ألمانيا وفرنسا، الدولة النووية الوحيدة في التكتل، بعد خروج بريطانيا منه قبل أعوام.
وأعرب نافروتسكي في مقابلة مع قناة "بولسات نيوز" عن اعتقاده أن بولندا يجب أن تنظر في تطوير قدراتها النووية الخاصة، وأن تبدأ في "العمل نحو امتلاك أسلحة نووية" كردّ على التهديد المتصاعد من روسيا.
وأضاف أنه "يدعم بقوة" فكرة أن تنضم بولندا إلى مشروع أو قدرة نووية، بحسب ما أوردته وكالة بلومبيرغ.
يفرض قدر بولندا الجغرافي عليها خيارات قد تبدو "متطرفة"، بحسب خبراء، فهي تقع في قلب أوروبا الوسطى، لتشكّل الجناح الشرقي لحلف الناتو، وعلى تماس مباشر مع المجال الأمني الروسي.
وهذا الموقع جعلها، تاريخياً، ساحة صراع بين القوى الكبرى، وتقاسمتها الإمبراطوريات، ثم خضعت للنفوذ السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية قبل أن تنضم إلى حلف شمال الأطلسي عام 1999.
ومع اندلاع الحرب الأوكرانية عام 2022، تحققت تأثيرات هذه "اللعنة الجغرافية"، إذا صح الوصف، إذ وجدت بولندا نفسها في خضم نزاع دامٍ يجري على حدودها، مع شعور بأنها في الخط الأمامي لأي مواجهة محتملة مع موسكو.
وقد عانت بولندا، أكثر من أية دولة أوروبية أخرى، من انتهاكات روسية مختلفة، شملت اختراقات متكررة لمجالها الجوي بصواريخ وطائرات مسيّرة خلال هجمات على غرب أوكرانيا.
ويرى خبراء أن هذا "التموضع الأمني" الدقيق لبولندا يترجم على الدوام إلى قلق يعبر عنه النخبة السياسية البولندية، كما هو الحال مع تصريح الرئيس البولندي، المثير للجدل، ذلك أن بلاده عضو في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وبالتالي أي محاولة فعلية لامتلاك أسلحة نووية ستواجه عقبات قانونية وتحديات سياسية.
ويجد الخبراء تفسيراً لهذا التصريح بالاستناد إلى السيرة الذاتية للرئيس البولندي، فهو مؤرخ وأكاديمي متخصص في التاريخ الحديث، لا سيما الحقبتين "النازية والسوفييتية"، وشغل سابقاً منصب رئيس معهد الذاكرة الوطنية البولندي، ما أكسبه حساسية مفرطة تجاه "جروح التاريخ" و"المخاطر القادمة من الشرق الروسي".
علاوة على ذلك، ينتمي نافروتسكي إلى التيار القومي المحافظ المرتبط بحزب القانون والعدالة، ما يعني اهتمامه بمفهوم "السيادة" وبـ"تعزيز الردع العسكري" المستقل، بعيداً عن ضغوط وإملاءات الحلفاء.
ورغم أن تصريحه ينطوي على بعد رمزي أكثر منه قراراً سياسياً، إلا انه يتضمن، وفقاً لخبراء، رسائل في اتجاهات مختلفة، أولها إلى مواطنيه كي يقول بإنه قائد مستعد للتفكير في أقصى خيارات الردع، وإلى الناتو والحلفاء لتنبيههم أن بولندا تقع في بؤرة الخطر، وبالتالي حثهم على تعزيز الردع الجماعي، فضلاً عن رسالة أقل تأثيراً إلى روسيا مفادها أن وارسو لديها أيضاً تصورات لمشاريع مزعجة للخصوم.
ويحاجج الخبراء بأن انضمام بولندا إلى النادي النووي، سيعتبر تحولاً في ميزان القوى الأوروبي إذ سيتحول الثقل النووي من الغرب (فرنسا وبريطانيا)، إلى الشرق، وهو ما قد يعمق التوترات مع روسيا، الدولة النووية التي هددت على لسان مسؤوليها بإمكانية استخدام هذا السلاح.
ويستدرك الخبراء، أن بناء قدرة نووية مستقلة لا يمكن اختزاله في تصريح إعلامي، بل هو يمتد لسنوات طويلة ويتطلب بنية تحتية وصناعية وعلمية هائلة، وتمويلاً ضخماً قد لا تقوى وارسو على تأمينه، ناهيك عن ضرورة وجود إجماع سياسي داخلي ودولي.
وإضافة إلى موقف واشنطن التي لن تبارك خطوة بولندية من هذا النوع، لاعتبارات عدة، فإن موسكو سترفض بحزم أي طموحات من هذا القبيل، بل من المتوقع، بحسب خبراء ان تنظر إلى مثل هذا التصريح باعتباره تصعيداً، خصوصاً وأن أحد أسباب الحرب الأوكرانية، تمثل في طموح كييف الانضمام إلى الناتو وهو ما ترفضه الكرملين بشدة.
وتعتبر روسيا أن أي توسع في البنية التحتية العسكرية للناتو قرب حدودها يعد تهديداً مباشراً، فكيف إذا كان هذا التوسع يشمل "النووي"، الذي سيشكل ذريعة لها لتعزيز ترسانتها في كالينينغراد أو بيلاروسيا، قرب حدود الناتو.
ويلاحظ الخبراء ان طرح سؤال السلاح النووي، اليوم، في بولندا يعيد إلى الأذهان شبح الحرب الباردة حين كانت وارسو جزءاً من الحلف الشرقي الذي حمل اسمها، وكانت بولندا، آنذاك، في الموقع المناقض تماماً، أي في الجبهة الأمامية للمنظومة السوفييتية في مواجهة الغرب.
والمفارقة أن الدولة التي خرجت من الفضاء السوفييتي وانضمت إلى المعسكر الغربي بقيت عالقة في ذات المجال الجيوسياسي المقلق، لكن من الضفة الأخرى.
وفي ضوء ما سبق، فإن خطورة التصريح البولندي لا تكمن في احتمالية امتلاك قنبلة نووية قريباً، بل في كشفه لهشاشة الأمن الأوروبي، وحتمية البحث عن بدائل تستثني من الحسابات واشنطن التي تلمح مراراً بأن زمن الحماية المجانية للقارة العجوز قد انتهى.