تنتظر إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من طهران تقديم "المسودة" الخاصة بإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، لصياغة مظلة تفاوضية بين الجانبين تحول دون الانفجار العسكري، في ظل الحشود الجوية والبحرية الأمريكية التي دفعت بها واشنطن إلى الشرق الأوسط.
لكن ما وراء هذه المسودة يكشف عن لعبة "العرض والطلب" التي تقدمها طهران من تحت الطاولة تحت عنوان "الصفقة"، وهو المنطق الذي يعتمده ترامب.
ويرتبط جانب من ذلك بحصول الشركات الأمريكية على استثمارات في قطاعي النفط والغاز في إيران، مقابل مضي واشنطن في رفع تدريجي للعقوبات.
وأوضح خبراء استراتيجيون لـ"إرم نيوز" أن طهران جهّزت عرضًا يأتي تحت عنوان "لا يجوع الذيب ولا يفنى الغنم"، الذي يعطي لها هامش المناورة في ملف اليورانيوم، بحيث تذهب لمسار تخفيض نسب التخصيب، لحين تجاوز ولاية الرئيس الجمهوري، الذي يضع شروطا للاتفاق أو الذهاب للحرب.
وبحسب مراقبين، فإن إيران، وهي تُعِدّ مسودتها، تقف أمام حالة من انعدام الثقة في الولايات المتحدة، وتساورها شكوك في أن التفاوض لن يمنع واشنطن من المضي في هذه الحرب، كما تشغلها إلى حدّ كبير نظرية المؤامرة.
يأتي ذلك في الوقت الذي أكد فيه وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن بلاده تعتزم إعداد مسودة لاتفاق نووي محتمل مع الولايات المتحدة خلال يومين إلى ثلاثة أيام، في إطار التفاهمات التي جرى التوصل إليها في الجولة الأخيرة من المحادثات.
وأوضح المفاوض الإيراني أنه لا يوجد حل عسكري لبرنامج بلاده النووي، مشددًا على أن ملف الجمهورية الإسلامية لا يمكن تسويته عبر الأدوات العسكرية، بل من خلال المسار الدبلوماسي والتفاوضي.
ويقول رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات، العميد هشام جابر، إن الواقع يشير إلى أن إيران تحضّر مسودة اتفاق لا يمكن للولايات المتحدة أن ترفضها، وستتم حياكتها بدقة وبذكاء، في ظل استشعار طهران وتأكدها من وجود نوايا مبيتة لجرّها إلى الحرب.
وأضاف الخبير العسكري والاستراتيجي في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن طهران تدرك حكم النوايا الموجهة ضدها للحرب، التي تدفع بها حكومة بنيامين نتنياهو، ومن خلفها أطراف داخل الولايات المتحدة، رغم عدم رغبة دونالد ترامب في خوض الحرب.
وأوضح جابر أن هناك 3 نقاط أساسية تتعلق بهذه المسودة من جانب طهران، في الصدارة ما يخص موضوع تخصيب اليورانيوم، فقد جهّزت عرضًا يأتي تحت عنوان "لا يجوع الذيب ولا يفنى الغنم"، أي إنه سيكون مقبولاً، لأنه يتعلق بنسبة التخصيب.
وأردف بأن طهران تستطيع أن تناور في هذا الشأن بحيث يمكن خفضها إلى الحد الأدنى للتخصيب، مع احتفاظها بإمكانية العودة إلى رفعها متى شاءت.
وأشار جابر إلى أن النقطة الثانية تتعلق بالصواريخ الباليستية، بحيث لا يمكن منع إيران من إنتاج هذا النوع من الصواريخ، إلا أنه يمكن جعلها دفاعية وغير ذات مدى يهدد إسرائيل، وهذا الملف قابل للنقاش، غير أن طهران لن تستطيع أن تتعهد بما يمسّ قدراتها الدفاعية.
أما النقطة الثالثة، وفق جابر، فتخص نفوذ إيران وأذرعها في المنطقة، وهذا الموضوع مطاط للغاية، إذ إن طهران قد تتعهد بأنها قادرة على أن تبرمج حلفاءها في العراق واليمن ولبنان، وتمنعهم من القيام بأي أعمال عدائية من دون استشارتها، لكنها في الوقت نفسه، لن تقبل بتدمير قدرات هؤلاء الحلفاء.
فيما يعتقد الباحث في الشؤون الإقليمية، إبراهيم مراد، أن طهران متأخرة للغاية في التحرك إلى التفاوض لمنع قصفها من الولايات المتحدة، في ظل احتياجها لعدة أمور في صدارتها كسب الداخل، ومنع حدوث أي انقلاب داخلي.
وأضاف مراد في تصريحات لـ"إرم نيوز" أن هناك مخاوف من أن يؤدي القصف المحتمل والمتصاعد مؤشرات حدوثه بالذهاب إلى مشكلات داخلية بين المكونات أو ربما انقلاب، لكن لا يمكن التعويل على بعض الإصلاحات الداخلية.
وتابع مراد بالقول إن الإصلاحات الداخلية ليست ما تطمح إليه الولايات المتحدة، لأنها هي وإسرائيل تريدان تطورًا في التفاوض بخصوص الملف النووي وتخصيب اليورانيوم، في وقت باتت فيه الضربة الأمريكية الإسرائيلية على إيران أقرب للواقع، فهي تؤجلها فقط، لكن لا تمنعها.
واستطرد مراد بأن المشكلة الأساسية ليس ما يجري على طاولة المباحثات ولكن انعدام الثقة لا سيما من جانب طهران التي تجد أن التفاوض لن يمنع الولايات المتحدة من السير في هذه الحرب، ويشغلها كثيرًا نظرية المؤامرة.
ويرى مراد أن إيران لا تعتمد على المفاوضات في وقف الحرب وإنما تروّج بأن الضربة قادمة وبأنها ستكون طويلة، ولكن من المفترض ألا تجازف بالمراهنة على الحرب والالتزام أكثر بالحوار.