logo
العالم

كييف تحت الثلج والنار.. هدنة مؤقتة تتحول إلى "فخ دبلوماسي" سريع الانهيار

آثار الدمار جراء الحرب في أوكرانياالمصدر: رويترز

لا يزال إعلان وقف الهجمات الروسية على كييف لمدة أسبوع، وسط موجة برد قارسة تجاوزت 30 درجة مئوية تحت الصفر، محل شكوك حول مصداقية الالتزام واستمرارية الهدنة، خاصة بعد إطلاق موسكو صواريخ ومسيرات باتجاه الأراضي الأوكرانية بعد يوم واحد فقط.

وتوفر الهدنات الأسبوعية فرصة لإعادة تنظيم القوات وتحسين المواقع، فيما تعتبر أوكرانيا أن وقف إطلاق النار المؤقت لا يحقق أي تقدم في استعادة أراضيها الشرقية أو في ملف تبادل الأسرى، مؤكدة ضرورة التوصل إلى هدنة شاملة لا تقل عن 30 يومًا.

أخبار ذات علاقة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ومبعوثون أمريكيون خلال اجتماع في الكرملين

ترامب يُعيد صياغة السلام.. ضمانات أمنية مقابل تجميد خطوط القتال في أوكرانيا

انهيار الهدن

وأوضحت التجارب السابقة، مثل هدنات مينسك وهدن العام 2022 في أوكرانيا، أن التهدئة القصيرة غالبًا ما تنهار سريعًا، مع انتهاك الطرف الروسي المتكرر للاتفاقات، في حين تستغل أطراف كبرى مثل الولايات المتحدة وقف النار لعرض قدراتها التفاوضية دون التزام طويل الأمد.

وأكد خبراء أن وقف النار "الأسبوعي" المتداول لا يمثل مسارًا حقيقيًا لإنهاء الحرب، بقدر ما يُعد مبادرة دبلوماسية مؤقتة تُستخدم لإدارة التصعيد وتقليل المخاطر الآنية، خاصة في ظل الضغوط الإنسانية واللوجستية المرتبطة باستهداف البنية التحتية وقطاع الطاقة.

وأضاف الخبراء أن هذا النوع من التهدئات يخدم بالأساس وظيفة تشغيلية، تتيح للأطراف إعادة ترتيب الموارد، وامتصاص الضغوط، واختبار نوايا الخصم بكلفة سياسية محدودة، دون أن يمس الأهداف الاستراتيجية العميقة لكل طرف.

منطق "إدارة الوقت"

وأشاروا إلى أن الفجوة لا تزال قائمة بين منطق "إدارة الوقت" الذي تحكمه المبادرات الجزئية، ومنطق "حسم الاتجاه" المرتبط بقضايا السيادة والأراضي والتوازنات الأمنية.

بداية، أكد الدكتور سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية في أوكرانيا، أن طرح وقف إطلاق النار المتبادل بشأن استهداف قطاع الطاقة لمدة أسبوع بين روسيا وأوكرانيا يُقدَّم باعتباره أداة دبلوماسية تهدف إلى تخفيف التصعيد وإدارة المخاطر اللحظية، أكثر من كونه مسارًا حقيقيًا لإعادة صياغة الحرب أو معالجة جذورها البنيوية.

وكشف سلام في حديثه لـ"إرم نيوز" أن هذا النوع من المبادرات، من منظور تحليل السياسات، يمكن تصنيفه ضمن إطار "إدارة الأزمة"، إذ يسعى إلى تقليص الخسائر قصيرة المدى وتحسين شروط التفاوض، من دون المساس بالأهداف الاستراتيجية العميقة أو إحداث تأثير حقيقي في ميزان القوى القائم على الأرض.

وقف إطلاق النار المؤقت

وأشار سلام إلى أن جدوى وقف إطلاق النار المؤقت تكمن بالأساس في وظيفته التشغيلية، حيث يتيح للأطراف إعادة ترتيب الموارد، وامتصاص الصدمات اللوجستية، والتخفيف من الضغوط الإنسانية والإعلامية، فضلًا عن إعادة اختبار نوايا الخصم بكلفة سياسية منخفضة نسبيًا.

وأضاف أن هذه التهدئات توفر كذلك للوسطاء الدوليين فرصة للحفاظ على قابلية المسار الدبلوماسي للحياة، ومنع الانزلاق نحو تفاقم شامل للصراع، مؤكدًا أن وقف النار في هذه الحالة يعمل كآلية لضبط إيقاع العمليات العسكرية، وليس كأداة لتغيير الاتجاه الاستراتيجي للنزاع.

ولفت سلام إلى أن صورة الجدوى تصبح أكثر تعقيدًا عند مقارنة هذا النوع من المبادرات بالأهداف طويلة المدى لكل طرف، موضحًا أن روسيا تنظر إلى الحرب بوصفها أداة لاحتلال أراضٍ أوكرانية، وإعادة تشكيل التوازنات الأمنية، ومنع توسع حلف شمال الأطلسي "الناتو".

وأضاف أنه في ظل هذه البيئة المعقدة، يُنظر إلى وقف إطلاق النار الأسبوعي باعتباره مخاطرة محسوبة على المستوى التكتيكي أكثر من كونه التزامًا سياسيًا حقيقيًا، ما يجعله قابلًا للانهيار فور تغير الحسابات الميدانية أو السياسية.

وأشار إلى أن معيار النجاح في مثل هذه المبادرات لا يُقاس بعدد أيام الهدوء، بل بقدرة الأطراف على تحويل هذا الهدوء إلى رافعة استراتيجية تخدم رؤيتها بعيدة المدى، وهو ما يوضح محدودية تأثير المبادرات المؤقتة في المسار العام للحرب.

طلب إنساني محدود

وفي السياق ذاته، أكد الدكتور محمود الأفندي، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، أن ما جرى تداوله بشأن "وقف إطلاق نار أسبوعي" لا يعكس حقيقة الموقف على الأرض، موضحًا أن الأمر لا يتعلق بوقف شامل للعمليات العسكرية، وإنما بطلب إنساني محدود ومحدد جغرافيًا.

وقال الأفندي لـ"إرم نيوز" إن ما حدث هو طلب مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يقضي بوقف الضربات الجوية فقط على مدينة كييف والبنية التحتية المرتبطة بها، دون أن يشمل باقي المدن الأوكرانية أو مسار العمليات العسكرية الروسية بشكل عام.

وأشار الأفندي إلى أن هذا الطلب جاء في ظل ظروف إنسانية قاسية تعيشها كييف، حيث تعاني المدينة من انقطاعات واسعة في الكهرباء والتدفئة، لافتًا إلى أن نسبة كبيرة من السكان يعيشون دون تدفئة في وقت تُسجَّل فيه درجات حرارة شديدة الانخفاض قد تصل إلى ما دون 25 و30 درجة مئوية تحت الصفر.

وأوضح أن الهدف من هذا الإجراء هو منح فرق الصيانة فرصة لإصلاح شبكات الكهرباء وإعادة التدفئة إلى المنازل، تفاديًا لكارثة إنسانية محتملة خلال موجة الصقيع القاسية.

أخبار ذات علاقة

فولوديمير زيلينسكي

زيلينسكي: روسيا تكثف ضرباتها على خطوط الإمداد اللوجستية في أوكرانيا

إجراءات إنسانية

وأضاف أن روسيا أوقفت استهداف كييف تحديدًا بالتزامن مع المباحثات التي جرت في أبوظبي الأسبوع الماضي وحتى اليوم، مرجحًا إمكانية تمديد هذا الإجراء ليشمل الأيام المقبلة، وربما أسبوعًا إضافيًا، بالتوازي مع انطلاق جولة جديدة من المفاوضات.

وشدد على أن هذا التوقف الجزئي لا يعني بأي شكل من الأشكال وقفًا لإطلاق النار، مؤكدًا أن العمليات العسكرية الروسية ما زالت مستمرة في مدن أوكرانية أخرى، وأن الحرب لم تتوقف ولم تدخل مرحلة تهدئة شاملة.

وأكد الأفندي أن هذه الخطوة تُصنَّف كإجراء إنساني بحت ومن طرف واحد، ولا تحمل أبعادًا سياسية أو عسكرية تتعلق بتحقيق مكاسب أو فرض تنازلات، بل تهدف فقط إلى تخفيف المعاناة الإنسانية وتهيئة أجواء مناسبة لاستمرار المسار التفاوضي.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC