تعود العلاقات الصينية-الباكستانية إلى واجهة المشهد الإقليمي مع احتفال البلدين بالذكرى الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، وسط بيئة دولية معقدة تتسم بتصاعد التنافس الصيني-الأمريكي، وإعادة تموضع باكستان بين القوتين العظميين.
ورغم الخطاب التقليدي الذي يصف العلاقة بأنها "صداقة في كل الظروف"، فإن التطورات الأخيرة تطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل هذه الشراكة وحدودها، وفق مجلة "the diplomat".
شهد عام 2025 تقلبات لافتة في علاقات باكستان الخارجية. فعلى الصعيد العسكري، استخدمت إسلام آباد معدات صينية متقدمة، أبرزها مقاتلات J-10C، خلال اشتباكاتها مع الهند، وهو ما اعتُبر نجاحًا ميدانيًا عزز سمعة الصناعات الدفاعية الصينية.
غير أن هذا الزخم لم يلبث أن تراجع سياسيًا مع تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفرض وقف إطلاق النار، وما تلاه من تقارب أمريكي-باكستاني ملحوظ.
انضمام باكستان إلى "مجلس السلام" الذي أطلقه ترامب، والدور الذي باتت تلعبه في الحسابات الأمريكية المتعلقة بإيران، عكس تحوّلًا في أولويات إسلام آباد خارج إطار جنوب آسيا، وهو ما لم يغب عن بكين، رغم أن مراقبين يؤكدون أن الصين لا تنظر بسلبية تلقائية إلى تحسن العلاقات الباكستانية-الأمريكية، طالما لم يتحول إلى شراكة استراتيجية على حسابها.
في الوقت الذي عززت فيه باكستان علاقاتها مع واشنطن، تحركت بكين بدورها لتحسين علاقاتها مع نيودلهي، عبر استئناف الرحلات الجوية المباشرة وتخفيف التوترات الحدودية.
ورغم هذا الانفراج الصيني-الهندي النسبي، لا تزال الصين تنظر إلى باكستان كعامل توازن استراتيجي في مواجهة الطموحات الهندية.
ويرى خبراء أن أي تصعيد بين الهند وباكستان يدفع نيودلهي إلى تشتيت مواردها بين جبهتين، ما يخدم المصالح الصينية بشكل غير مباشر.
كما أن هذه الأزمات تعمّق اعتماد باكستان على الدعم العسكري والتقني الصيني، وتُعزز الروابط العملياتية بين الجيشين.
يبقى الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني (CPEC) المؤشر الأهم على مستقبل "الصداقة الدائمة"؛ فالمشروع، الذي تبلغ كلفته نحو 62 مليار دولار، تعثر بفعل الأزمات الأمنية، والضغوط المالية، والخلافات حول شروط التمويل، إضافة إلى الهجمات التي استهدفت مصالح صينية داخل باكستان.
ورغم الحديث المتجدد عن نسخة مطوّرة تحت مسمى "CPEC 2.0"، فإن التقدم الفعلي يظل مرهونًا بقدرة إسلام آباد على تحسين الوضع الأمني، وإعادة التفاوض على الشروط بما يحقق فوائد اقتصادية أكثر توازنًا، مثل التصنيع وتوفير فرص العمل، بدل الاكتفاء بمشاريع بنية تحتية تُفاقم عبء الديون.
ويتفق مراقبون على أن الصين وباكستان لن تتخليا عن شراكتهما الاستراتيجية، لكن إحياء "الصداقة الدائمة" لن يتحقق بالشعارات وحدها؛ فتعقيد العلاقات الصينية-الأمريكية، والتقارب المتزايد بين واشنطن وإسلام آباد، إضافة إلى التحديات الاقتصادية والأمنية داخل باكستان، كلها عوامل ستحدد مدى عمق هذه العلاقة في المرحلة المقبلة.
في المحصلة، سيتوقف مستقبل الشراكة الصينية-الباكستانية على ما إذا كان الممر الاقتصادي سيشهد انطلاقة حقيقية تعود بالنفع على باكستان، أم سيظل رمزًا سياسيًا أكثر منه مشروعًا تنمويًا فعالًا.
وفي كلتا الحالتين، فإن أي تغيير في هذه العلاقة سينعكس مباشرة على دور الولايات المتحدة في المنطقة، وعلى طموحات الهند الإقليمية والدولية.