أثار تصريح برلماني ألماني بارز حول خيارات بلاده بشأن "الردع النووي" جدلاً واسعاً، إذ فتح واحدة من أكثر الملفات حساسية في التاريخ الألماني المعاصر.
رودريش كيزيفيتر، السياسي المختص بالشؤون الخارجية في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وهو حزب المستشار السابق أولاف شولتس، القائد الحالي للائتلاف الحاكم، اقترح إمكانية مشاركة ألمانيا في تمويل تطوير أسلحة نووية في إطار أوروبي.
وقال كيزيفيتر، خبير الشؤون الأمنية والدفاعية والذي كان ضابطًا في الجيش الألماني قبل دخوله عالم السياسة، إن ألمانيا يمكن أن تشارك ماليًا في مظلة نووية أوروبية دون أن تتولى القيادة.
وفي ظل احتمال وصول زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان إلى السلطة في فرنسا، نصح كيزيفيتر بالبحث عن خيارات بديلة وعدم الاعتماد فقط على باريس في هذا الملف، مضيفًا أنه "يجب أن نسلك طريقًا آخر ونشكل تحالفًا مع دول أخرى.
وبرر كيزيفيتر طرحه قائلاً: 'الدولة التي تريد أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها يجب أن تخلق مساحات تفكير تشمل حتى الاحتمالات الخطيرة غير المرجحة'، في إشارة إلى أهمية التفكير في مسألة السلاح النووي.
ويرى خبراء أن طرح هذا الملف في برلين يعكس قلقًا ألمانيًا متزايدًا تغذيه طموحات روسيا وتهديداتها النووية، إضافة إلى مزاجية إدارة ترامب التي بدأت تميل إلى نوع من 'الابتزاز والمقايضة' بشأن مظلتها النووية الأوروبية.
لا يمكن فهم حساسية الملف النووي في ألمانيا دون التذكير بـ"عقدة الذنب التاريخية" التي شكلت أحد المفاتيح الرئيسة لفهم مواقف برلين "الحذرة والمدروسة بعناية" تجاه أي نقاش يتعلق بأسلحة الدمار الشامل.
وتتمثل تلك العقدة التاريخية في الحقبة النازية التي حولت ألمانيا، وأوروبا عموماً، إلى حطام، مع خراب "سياسي وأخلاقي ومادي"، أسهم في تبلور توافق وطني غير مكتوب على أن القوة العسكرية، يجب أن تكون "مقننة ومقيدة"، حتى لا تتكرر المآسي.
وانعكس هذا الإدراك، بوضوح، في دستور ألمانيا، وفي سياستها الخارجية، طوال عقود، والتي تبنّت مبدأ "عدم التكرار" كأساس أخلاقي، ولهذا، فإن أي حديث عن النووي لا يُستقبل في ألمانيا كمسألة ردع مألوفة، بل يُنظر إليه عبر عدسة تاريخية مثقلة بالمسؤولية والذنب.
ومن المعروف أن المسار الألماني "المسالم" توج قانونياً وسياسياً بمعاهدة "2 + 4" عام 1990، التي مهدّت لإعادة توحيد ألمانيا، ونصّت بوضوح على التزامها بعدم امتلاك أو تطوير أو حيازة أسلحة نووية.
وكانت ألمانيا الغربية، قبل التوحيد، انضمّت إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عام 1975 كدولة غير نووية، وهو التزام غير محدد بسقف زمني، بل يقوم على قاعدة قانونية دائمة، لا تسقط بالتقادم.
ويلاحظ خبراء أن الثابت التاريخي الألماني بخصوص الردع النووي بدأ يتعرض تدريجيًا للاهتزاز، قبل أن يعود ليحتل موقعًا مركزيًا في حسابات القارة الأوروبية، بما فيها ألمانيا.
ويأتي ذلك في ظل تهديدات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي لوح بإمكانية استخدام السلاح النووي خلال الحرب الأوكرانية، وتصريحات ترامب المتكررة التي تشكك بجدوى الدفاع عن الحلفاء 'غير الملتزمين'، مطالبًا برفع الإنفاق الدفاعي.
ويرجح الخبراء ان الحديث عن النووي في الأروقة السياسية الألمانية، لا يعد تغييرا جذريا في العقيدة الدفاعية والأمنية، بقدر ما يمثل تغييرا في المناخ الفكري، والجرأة على طرح الهواجس في الفضاء العام.
من هنا، فإن تصريحات النخب الألمانية حول "أوربة الردع النووي"، لا تعني أن برلين قررت التخلي عن سياستاها التقليدية المنضبطة، بل تعكس، محاولات لكسر "التابوهات" دون القفز إلى قرارات حاسمة.
وما يعزز ذلك، هو ان معظم هذه الطروحات تأتي مقرونة بتأكيدات صريحة على أن أي تفكير نووي يجب أن يكون تكميليا للمظلة الأمريكية، وحتى الدعوات إلى تعاون أعمق مع فرنسا وبريطانيا، القوتين النوويتين الوحيدتين في أوروبا، تُطرح في إطار "تقاسم الردع" دون دعوة لامتلاك السلاح النووي.
وعلاوة على ذلك، فإن محاولة جدية من ألمانيا لتحقيق الطموح النووي تصطدم بـ3 عقبات متداخلة، هي التاريخ السياسي والقانون الدولي، والرأي العام.
ويقول خبراء إن كوارث الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الجمعي الألماني، وهو ما يعني أن فكرة "ألمانيا النووية" لا تختزل في كونها "مسألة أمنية بحتة"، بل قضية رمزية تمس الذاكرة الأوروبية، وهذا ما يفسر أن أي نقاش نووي، مهما كان هامشياً، سرعان ما يلقى معارضة من الاحزاب التقليدية كالحزب الاشتراكي الديمقراطي والخضر، الذين يرون فيه انزلاقا نحو سباق تسلح قد يفاقم المخاوف الأمنية بدلا من تبديدها.
أما على المستوى القانوي، فتمثل معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية عائقاً رئيساً، فالتراجع عن الالتزام بها، كما فعلت كوريا الشمالية عام 2003، على سبيل المثال، سيضع ألمانيا في خانة الدول المارقة، ويقوض مكانتها كقوة مدافعة عن النظام الدولي القائم على القواعد.
يضاف إلى ذلك، أن استطلاعات الرأي تشير إلى وجود نزعة سلمية عميقة في المجتمع الألماني، متواصلة منذ نهاية الحرب العالمية والثانية وخلال حقبة الحرب الباردة ولا تزال تؤثر في المزاج العام حتى اليوم.
وفي موازاة العوائق الداخلية في ألمانيا، تواجه برلين تحديات مرتبطة بالتحالف الأطلسي. فلا يمكن تجاهل أن أي مسعى ألماني جدي سيقابل بقلق ورفض أمريكي، مما يعمق أزمة الثقة بين ضفتي الأطلسي، التي تفاقمت على خلفية اختلاف المقاربات بشأن الملف الأوكراني وتهديدات ترامب بضم جزيرة غرينلاند، التابعة للفضاء السياسي والجغرافي الأوروبي.
ويشير الخبراء إلى أن المظلة النووية الأمريكية لا تمثل مجرد أداة ردع عسكري، بل هي أحد أعمدة القيادة الاستراتيجية لواشنطن داخل حلف الناتو، وأي تحرك ألماني خارج هذا الإطار سيُفسر في واشنطن على أنه تشكيك في موثوقية الحليف الأمريكي، وربما خطوة نحو تقويض الحلف بأكمله.
وتظهر التجارب التاريخية أن واشنطن كانت شديدة الحساسية تجاه أي محاولات لاستقلال نووي داخل أوروبا، كما تجلى ذلك في تحفظها على البرنامج النووي الفرنسي خلال عهد شارل ديغول في ستينيات القرن الماضي.
وفي حالة ألمانيا، عملاق الاقتصاد الأوروبي، قد تكون التداعيات أشد، بحسب خبراء، لأن خروجها عن الإجماع النووي للناتو قد يشجع دولاً أخرى على السير في المسار ذاته.
وفي الحديث عن النووي الألماني لا يمكن تجاهل غضب موسكو التي لن تنظر إليه كحاجة أمنية، بل كتحول استراتيجي خطير في ميزان القوى الأوروبي.
ويشرح الخبراء أن ذاكرة روسيا، التي تعتبر ألمانيا مفتاح التوازن الأمني في القارة، لا تزال مثقلة بتجربة الحرب الباردة وتوسع الناتو شرقاً. وأي إشارة إلى انخراط ألماني في ترتيبات نووية ستُفسر في الكرملين على أنها خطوة تصعيدية تستدعي ردعاً سريعاً وحاسماً.
وكانت موسكو تعاملت بحساسية بالغة مع نشر الصواريخ الأمريكية متوسطة المدى في ألمانيا الغربية خلال أزمة "بيرشينغ" في الثمانينيات، واعتبرت ذلك تهديدًا مباشرا لأمنها القومي.
وتعد أزمة "بيرشينغ" إحدى أخطر محطات التصعيد النووي في أوروبا خلال الحرب الباردة، وبلغت ذروتها مطلع الثمانينيات عندما قرر الناتو نشر صواريخ أمريكية متوسطة المدى من طراز بيرشينغ 2 وكروز في ألمانيا الغربية رداً على صواريخ سوفييتية، وقد تحولت ألمانيا حينها إلى ساحة مواجهة مباشرة بين القوتين العظميين رغم كونها دولة غير نووية.
ويستنتج الخبراء بأنه من الناحية الواقعية، لا توجد مؤشرات جدية على أن ألمانيا ستسعى إلى امتلاك سلاح نووي خاص بها في المستقبل المنظور، فالتكلفة السياسية والدبلوماسية ستكون باهظة، وربما تفوق أي مكاسب ردعية محتملة.
ويخلص الخبراء إلى أن برلين، التي تكسر التابوهات مع إبداء الحرص على احترام الخطوط الحمراء، تحاول إعادة تعريف دورها الأمني دون أن تفقد ما راكمته من شرعية تاريخية منذ عام 1945.