أكدت صحيفة "نيويورك تايمز"، أن إسرائيل تكثّف اعتمادها على سياسة استهداف القيادات الإيرانية، باعتبارها أداة مركزية لإضعاف النظام في طهران، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول قدرة هذا النهج على تحقيق نتائج استراتيجية حاسمة.
وأشارت الصحيفة إلى أن مقتل علي لاريجاني، الذي يُنظر إليه كزعيم فعلي لإيران، مثّل واحدة من أقسى الضربات التي تلقتها القيادة الإيرانية منذ بداية الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي. وجاءت العملية بالتوازي مع استهداف قادة كبار في ميليشيات الأمن الداخلي؛ ما ضاعف من أثرها على بنية النظام.
وكانت الضربات الأولى أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين في غارة استهدفت مجمعاً في طهران، في خطوة أعادت رسم هرم القيادة الإيرانية بشكل مفاجئ.
وترى الصحيفة أن هذا التسلسل من العمليات يعكس اعتماداً متزايداً على ما يُعرف باستراتيجية “قطع الرأس”، أي استهداف القيادات العليا لإرباك الخصم وشل قدرته على اتخاذ القرار.
توضح "نيويورك تايمز" أن هذه العمليات لا تُفهم فقط في سياقها العسكري المباشر، بل ترتبط برهان سياسي أوسع يسعى إلى تقويض تماسك النظام الإيراني من الداخل، وإيجاد ظروف قد تدفع إلى اضطرابات داخلية أو حتى تغيير سياسي.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إن استمرار الضغط قد يمنح الإيرانيين فرصة "أخذ مصيرهم بأيديهم"، في إشارة إلى احتمال تحفيز حراك داخلي ضد النظام.
كما نقلت الصحيفة عن وزير الدفاع يسرائيل كاتس تأكيده أن الجيش سيواصل ملاحقة القيادات الإيرانية و"قطع رأس الأخطبوط مراراً"، وهو تعبير يعكس قناعة داخل المؤسسة العسكرية بأن استهداف القادة يمثل وسيلة فعالة لإضعاف الخصم تدريجياً.
ويستند هذا النهج إلى فرضية أن تفكيك أجهزة الأمن الداخلي، ولا سيما ميليشيات "الباسيج"، قد يقلّص قدرة النظام على السيطرة، خصوصاً بعد الدور الذي لعبته هذه القوات في قمع احتجاجات واسعة خلال الفترة الماضية.
رغم التأثير المباشر لهذه الضربات، تشير "نيويورك تايمز" إلى أن النقاش داخل إسرائيل وخارجها لا يزال منقسماً حول مدى قدرة هذا الأسلوب على تحقيق أهداف بعيدة المدى.
فإسرائيل تمتلك خبرة طويلة في استخدام الاغتيالات كأداة عسكرية، بدءاً من حملتها بعد هجوم ميونيخ عام 1972، مروراً باستهداف قيادات فلسطينية خلال الانتفاضة الثانية، وصولاً إلى اغتيال زعيم "حزب الله" حسن نصر الله عام 2024، ثم خليفته بعد أيام.
ويرى بعض المحللين أن هذه السوابق توفّر مؤشراً على أن استهداف القيادات قد يؤدي إلى إضعاف الخصوم ودفعهم نحو التهدئة. فقد ساهم اغتيال نصر الله، بحسب تقديرات، في تقليص قدرات "حزب الله" ودفعه لاحقاً إلى القبول بوقف إطلاق النار.
وقالت سيما شاين، المسؤولة السابقة في جهاز "الموساد"، إن استمرار الضغط قد يدفع القيادة الإيرانية في مرحلة ما إلى إعادة حساباتها، مضيفة أن الوصول إلى تلك النقطة "لم يحدث بعد، لكنه احتمال قائم".
كما أشارت إلى أن استهداف قادة "الباسيج" قد يُحدث تأثيراً مختلفاً، إذ يمكن أن يؤدي إلى تراجع التزام العناصر الأقل رتبة؛ ما ينعكس على قدرة النظام في ضبط الشارع.
مع ذلك، تلفت الصحيفة إلى أن اغتيال شخصيات بحجم لاريجاني قد لا يكون خالياً من المخاطر. فقد كان يُنظر إليه كشخصية براغماتية قادرة على التعامل مع مختلف مراكز القوى داخل النظام، من المعتدلين إلى القيادات العسكرية.
وفي غيابه، قد تميل موازين القوة نحو التيار الأكثر تشدداً، خصوصاً داخل الحرس الثوري، وهو ما قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية.
وتشير التقديرات إلى أن صعود شخصيات أكثر تشدداً قد يعني تبنّي مواقف أكثر صلابة تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يقلّص فرص التوصل إلى تفاهمات سياسية.
تبرز "نيويورك تايمز" تحدياً آخر يتمثل في قدرة النظام الإيراني على تعويض قياداته بسرعة. فبعد مقتل خامنئي، سارعت طهران إلى تعيين نجله مجتبى خامنئي مرشداً أعلى، في خطوة عكست مرونة في إدارة انتقال السلطة.
ويرى داني سيترينوفتش، المسؤول السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن هذه القدرة تحدّ من فعالية استراتيجية الاغتيالات، قائلاً إن "قطع الرأس له حدود"، في إشارة إلى أن استبدال القادة يتم بوتيرة أسرع مما قد تتوقعه إسرائيل.
وأشار إلى أن تجارب سابقة مع "حماس" و"حزب الله" أظهرت أن اغتيال القيادات يُضعف التنظيمات، لكنه لا يؤدي إلى انهيارها، ما يجعل الاعتماد عليه كاستراتيجية رئيسة أمراً محل شك.
كما تنقل الصحيفة تحذيرات من أن الإفراط في استخدام هذا الأسلوب قد يؤدي إلى تداعيات غير محسوبة. فقد حذّر عامي أيالون، الرئيس السابق لجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، من أن المنطقة قد تقترب من حالة فوضى أوسع.
وأضاف أن غياب أهداف سياسية واضحة للحرب يزيد من خطورة هذا المسار، مشيراً إلى أن الحديث عن دفع الإيرانيين نحو إسقاط النظام قد يكون مبالغاً فيه أو يتطلب زمناً طويلاً.
وأوضح أن شريحة واسعة من المجتمع الإيراني ترتبط ببنية النظام بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل سيناريو الانهيار السريع غير مرجّح، بل وربما يدفع هذه الفئات إلى القتال دفاعاً عن بقائها.
في المحصلة، ترى "نيويورك تايمز" أن إسرائيل تحقق نجاحات واضحة على المستوى التكتيكي من خلال استهداف القيادات، لكنها لا تزال تواجه تحدياً أكبر يتمثل في تحويل هذه النجاحات إلى نتائج سياسية مستدامة.
فالاغتيالات قد تُربك الخصم وتضعف هياكل القيادة، لكنها لا تعالج جذور الصراع، ولا تضمن تغييراً في سلوك النظام أو توجهاته.
وبينما تواصل إسرائيل هذا النهج، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن لاستراتيجية "قطع الرأس" أن تقود إلى حسم فعلي، أم أنها ستُبقي الصراع قائماً، ولكن بأشكال أكثر تعقيداً؟