تتجه الأنظار نحو المناطق الكردية المحاذية للحدود العراقية – الإيرانية، في ظل توارد تقارير عن تحركات سياسية وأمنية متسارعة، وقراءات تتحدث عن إمكانية استثمار هذه المناطق كورقة ضغط ميدانية في مسار المواجهة.
وتأتي هذه التساؤلات بعد الكشف عن اتصالات سياسية وأمنية رفيعة المستوى، بالتزامن مع تقارير استخباراتية تتحدث عن تحركات محتملة لجماعات كردية معارضة للنظام الإيراني، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة تتراوح بين الضغط السياسي على طهران، أو محاولة فتح جبهة ميدانية جديدة على حدودها الغربية.
اتصالات أمريكية مع القيادات الكردية
وكشف موقع “أكسيوس” الأمريكي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجرى اتصالين هاتفيين مع قياديين كرديين في العراق، هما رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، حيث تناولت المكالمتان مسار الحرب وما قد يترتب عليها سياسياً وأمنياً.
وأشارت مصادر الموقع، إلى أن نتنياهو طرح خلال اجتماع سابق مع ترامب فكرة الاستعانة بالأكراد الإيرانيين المعارضين للنظام، في محاولة لتحفيز انتفاضة داخلية يمكن أن تضعف السلطة في طهران خلال الحرب.
تقارير عن تسليح المعارضة الكردية
بالتوازي مع هذه المعطيات، تحدثت شبكة "سي إن إن" عن مساعٍ تقودها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية لتسليح جماعات من المعارضة الكردية الإيرانية، بهدف إثارة اضطرابات وتحفيز تمرد داخلي ضد النظام الإيراني.
ونقلت الشبكة عن مصادر مطلعة أن "الإدارة الأمريكية تجري مفاوضات نشطة لتوفير دعم عسكري لمجموعات إيرانية معارضة، إضافة إلى ممثلين عن معارضين أكراد لجؤوا إلى إقليم كردستان في العراق".
ووفق هذه المصادر، يجري البحث في احتمال تنفيذ عمليات عسكرية في غرب إيران، مع طرح سيناريو السيطرة على مناطق حدودية لإنشاء ما وصفته التقارير بـ“منطقة عازلة”، يمكن أن تستخدم لاحقاً كورقة ضغط في مسار الحرب.
واضطر رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني إلى إصدار توضيح بشأن مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعد الجدل الذي أثارته في أوساط الفصائل المسلحة العراقية.
وأكد طالباني أن الاتصال جاء في إطار بحث التطورات الإقليمية وتبادل وجهات النظر بشأن الأوضاع الأمنية والسياسية، مشدداً على أن "ترمب طرح فرصة لفهم الأهداف الأميركية بشكل أعمق، وفتح باب الحوار بشأن دعم مشترك لبناء شراكة قوية بين الولايات المتحدة والعراق".
وترافقت هذه التحركات مع مؤشرات ميدانية، إذ أعلن الحرس الثوري الإيراني تدمير أهداف لجماعات وصفها بـ"المعادية" في إقليم كردستان العراق كانت تخطط لتنفيذ عمليات داخل إيران.
كما جاء الكشف عن هذه الاتصالات بالتزامن مع استهداف ثلاث طائرات مسيّرة مفخخة معسكراً تابعاً للحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني المعارض داخل إقليم كردستان، في حادثة أعادت تسليط الضوء على الدور المحتمل للفصائل الكردية في تطورات النزاع.
مخاطر اقتصادية وأمنية
في هذا السياق، حذر الباحث والأكاديمي خالد الغريباوي من أن تحويل غرب إيران إلى جبهة برية في الحرب لن تكون له تداعيات عسكرية فقط، بل قد يترك آثاراً مباشرة على الاستقرار الاقتصادي في إقليم كردستان العراق.
وقال الغريباوي لـ"إرم نيوز" إن "تحويل غرب إيران إلى جبهة برية للحرب لن يبقى محصوراً بالحدود، بل سيهدد فوراً المعابر الحيوية والبنية الاقتصادية في إقليم كردستان"، مضيفاً أن "أي تصعيد قد يعرّض منشآت طاقة استراتيجية مثل حقل كورمور إلى مخاطر جسيمة، بما يعني تعطيل الكهرباء وإرباك السوق الداخلي وضرب ثقة المستثمرين".
وأشار إلى أن "المصالح الاقتصادية للإقليم من تجارة وطاقة ورواتب ستتأثر سريعاً قبل تحقيق أي مكسب عسكري محتمل، خصوصاً مع انتشار الحرس الثوري الإيراني واستعداده العسكري في المنطقة".
ولفت إلى أن "أي محاولة لفتح هذه الجبهة قد تتحول إلى مقامرة مكلفة، وقد تؤدي إلى خسائر اقتصادية وأمنية واسعة تتجاوز قدرة الأطراف المعنية على التحكم بها".
حرب نفسية أم جبهة فعلية؟
في المقابل، يرى مختصون أن كثيراً من الحديث الدائر حول فتح جبهة كردية في غرب إيران قد يندرج ضمن إطار الحرب النفسية والضغوط الإعلامية المتبادلة بين أطراف الصراع.
وقال الباحث والمحلل السياسي علي السامرائي لـ"إرم نيوز" إن "التحركات والتصريحات الراهنة يمكن تصنيفها حتى الآن ضمن أدوات الحرب النفسية والضغط الإعلامي المتبادل".
وأضاف أن "المشهد لا يحتوي حتى اللحظة على مؤشرات ملموسة لردود فعل حاسمة من داخل مناطق غرب إيران توحي باتخاذ قرار استراتيجي بفتح جبهة برية في تلك المناطق"، مشيراً إلى أن "شح المعلومات الدقيقة وأحادية الروايات المتداولة يجعل من الصعب الجزم بوجود خطة ميدانية فعلية، خصوصاً في ظل غياب تحركات عسكرية واضحة على الأرض".
وأوضح أن "سيناريو فتح منفذ بري لتعزيز العمليات العسكرية يبدو مستبعداً في الوقت الراهن، وقد يكون حسم هذا الملف مؤجلاً إلى حين اتضاح الموقف الدولي، وخاصة موقف القوى الأوروبية التي بدأت تشعر بتبعات الحرب سياسياً واقتصادياً".
ضبط الحدود
في المقابل، تحاول بغداد احتواء أي تداعيات محتملة لهذا الملف، إذ أكد مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الأربعاء، أهمية تعزيز التنسيق بين البلدين لضبط الحدود ومنع أي محاولات تسلل عبرها.
وشدد الأعرجي على موقف العراق الداعي إلى معالجة الأزمات عبر الحوار والوسائل الدبلوماسية، ورفض اتساع رقعة الصراع في المنطقة، بما يحفظ أمن واستقرار الدول المجاورة.
وتمتد الحدود بين إقليم كردستان العراق والمناطق الكردية في غرب إيران على مسافة طويلة تتجاوز مئات الكيلومترات، وتشمل تضاريس جبلية وعرة وممرات حدودية حساسة تمتد عبر محافظات أربيل والسليمانية وحلبجة، مقابل محافظات كردية إيرانية مثل كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية.