يتصاعد التوتر السياسي والعسكري بين اليابان والصين بشكل لافت وخطير، فبينما تسعى طوكيو إلى تخفيف القيود على تصدير الأسلحة اليابانية بما فيها الأسلحة الفتاكة، تُعبّر بكين عن قلقها البالغ ورفضها لما تسميه بـ"عسكرة اليابان".
وأفادت وكالة "كيودو" اليابانية أن حكومة "ساناي تاكايتشي" تعمل على إعداد خطة لتخفيف القيود على تصدير الأسلحة اليابانية، وأنّه تمّ تحديد محتوى الخطة بشكل واضح.
وكشفت الوكالة أنّ الحكومة تعتزم مراجعة "المبادئ الثلاثة لنقل معدات الدفاع" خلال هذا الشهر.
وتُعد هذه الخطوة الأحدث من جانب اليابان في سعيها لرفع الحظر المفروض على صادرات الأسلحة بشكل كامل، وتجاوز "دستور السلام" الذي تتبناه.
بحسب أجندة الحكومة اليابانية، فإنه بالإضافة إلى التّرويج للرفع الكامل لحظر تصدير الأسلحة، تعتزم أيضاً مراجعة "وثائق الأمن الثلاث"، وتعديل "المبادئ الثلاثة غير النووية"، والمضي قدماً في عملية تعديل الدستور هذا العام.
من جهتها، عبرت الصين عن قلقها إزاء خطة الحكومة اليابانية لمراجعة المبادئ الثلاثة لنقل معدات وتكنولوجيا الدفاع. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية "ماو نينغ"، "نحث الجانب الياباني على التفكير بعمق في تاريخه من العدوان والنزعة العسكرية، والالتزام بتعهداته والتصرف بحكمة في المجالات العسكرية والأمنية، وتجنب المضي قدما في المسار الخاطئ".
وفي مؤشر جديد على حدّة الأزمة السياسية بين البلدين، خفضت الحكومة اليابانية وصفها للعلاقات مع الصين.
وفي أحدث إصدار من الكتاب الدبلوماسي الأزرق الياباني - الذي يحدد المواقف الدبلوماسية الرسمية لطوكيو - خُفض توصيف العلاقات مع الصين إلى درجة "جار مهم" من "أحد أهم الشركاء". واتهمت طوكيو بكين بـ "تصعيد انتقاداتها الأحادية وإجراءاتها الترهيبية ضد اليابان".
وفي تعليقها على الخطوة اليابانية الجديدة، قالت الدكتورة غدي قنديل مديرة وحدة الدراسات التركية والإيرانية وشؤون آسيا الوسطى في مركز الدراسات العربية والأوراسية، إنّ الحديث عن مراجعة المبادئ الثلاثة لنقل معدات وتكنولوجيا الدفاع في اليابان يعكس تحولاً نوعيًا في مقاربة طوكيو لدورها الأمني، من نموذج الدولة المقيدة إلى نموذج الفاعل الأمني الاستباقي.
وأضافت في تصريح لـ"إرم نيوز": "مُنذ إقرار هذه المبادئ العام 2014 كبديل أكثر مرونة لقيود تصدير السلاح الصارمة، ظلت اليابان حذرة في تطبيقها. إلا أن البيئة الأمنية المتغيرة— لاسيما في ظل صعود الصين العسكري، والتجارب الصاروخية لكوريا الشمالية، والحرب في أوكرانيا—دفعت النخبة السياسية اليابانية إلى إعادة تقييم القيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا الدفاعية، بما يسمح بتعزيز قاعدة الصناعات العسكرية الوطنية، وتوسيع الشراكات الدفاعية مع الحلفاء، خاصة في مجالات مثل أنظمة الدفاع الجوي، والتقنيات البحرية، والقدرات السيبرانية.
واعتبرت الدكتورة قنديل أنّه يُمكن قراءة المراجعة المحتملة بوصفها جزءًا من استراتيجية أشمل لتعزيز الردع المتكامل، عبر تمكين اليابان من لعب دور أكبر في سلاسل الإمداد الدفاعية العالمية، وتخفيف القيود التي تعرقل مشاريع مشتركة مثل تطوير المقاتلة من الجيل السادس (GCAP) مع بريطانيا وإيطاليا.
وأشارت إلى أن تخفيف القيود على التصدير قد يمنح طوكيو أدوات نفوذ جيوسياسي عبر ما يُعرف بدبلوماسية الدفاع لاسيما تجاه دول جنوب شرق آسيا التي تسعى لتعزيز قدراتها في مواجهة التهديدات البحرية.
وفي قراءتها للموقف الصيني الحادّ حيال طوكيو، اعتبرت قنديل أنّ القلق الصيني المتصاعد يعكس إدراك بكين أن هذه التحولات ليست مجرد تعديلات تقنية، بل تمثل تحولًا استراتيجيًا في العقيدة الأمنية اليابانية.
وحسب ذات المتحدثة فإنّ الخطاب الصيني الذي يصف هذه الخطوات بـ"عسكرة اليابان" يرتكز على ذاكرة تاريخية مرتبطة بالإمبريالية اليابانية، فبكين تخشى أن يؤدي تخفيف قيود تصدير السلاح إلى تعزيز قدرات شركاء الولايات المتحدة في محيطها الإقليمي، بما يفاقم من بيئة الاحتواء متعدد الأطراف التي تواجهها، خاصة في بحري الصين الشرقي والجنوبي، فضلاً عن أنّه لا يمكن فصل هذا التطور عن التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في منطقة "الإندو-باسيفيك".
وفي تحليلها لمدى استفادة واشنطن من هذا التصعيد الياباني الصيني، قالت الباحثة إنّ واشنطن تدفع منذ سنوات نحو تقاسم أعباء الأمن الإقليمي مع حلفائها، وتشجع على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية لهم.
ومن هذا المنظور، فإن مراجعة المبادئ اليابانية تخدم بوضوح الاستراتيجية الأمريكية، إذ تساهم في بناء شبكة ردع موزعة تعتمد على حلفاء أكثر قدرة واستقلالية. كما أن انخراط اليابان بشكل أكبر في تصدير التكنولوجيا الدفاعية يعزز التكامل الصناعي العسكري بين ضفتي التحالف، ويقلل من الاعتماد على القاعدة الصناعية الأمريكية وحدها.
واستدركت الدكتورة قنديل بالقول "غير أنّ هذا المسار ينطوي على إشكالية استراتيجية؛ فبينما يسعى إلى تعزيز الردع والاستقرار من خلال توازن القوى، فإنه يحمل في طياته مخاطر تصعيد ديناميات الأمن الإقليمي، عبر دفع الصين إلى تسريع تحديثها العسكري وتعزيز شراكاتها المضادة.
وانتهت إلى أن مستقبل هذا التوجه سيظل رهينًا بقدرة الأطراف على إدارة معضلة الأمن، بحيث لا تتحول سياسات الردع إلى محفزات لسباق تسلح إقليمي مفتوح.