مرت العلاقة عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا خلال العام الماضي تقريبًا، في 5 مراحل "مفصلية" أدت إلى "طلاق" بعد علاقة وطيدة امتدت لأكثر من 7 عقود.
واستغرق الأمر من الاتحاد الأوروبي عاماً كاملاً لقبول فقدان العلاقة عبر الأطلسية، التي شكلت حجر الزاوية في النظام العالمي، حيثُ كانت أمريكا الحامي والقائد، وأوروبا الحليف الأوثق.
ومثّلت إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهاية زمان "باكس أمريكا"، الذي استمر أكثر من 75 عاماً كانت فيها الولايات المتحدة الزعيم بلا منازع للعالم الحر، حيث وضع الرؤساء والإدارات المتعاقبة في واشنطن العلاقات مع أوروبا في قلب الانخراط العالمي لأمريكا.
وكان واضحاً أن ترامب سينهي ذلك العصر، وسيتبنى بدلاً من ذلك سياسة ضيقة ومركزة إقليمياً تحت شعار "أمريكا أولاً".
وفي غداء حضره حوالي 12 سفيراً من حلف شمال الأطلسي "الناتو" في منتصف شهر كانون الأول/ديسمبر من عام 2024، أعلن مبعوث تلو الآخر أنه مع قليل من الإنفاق الأوروبي الإضافي على الدفاع، سيكون كل شيء على ما يرام.
وعندما اقترح أحدهم أنهم في حالة إنكار حول مدى جوهرية التغيير القادم، التفت إليه آخر وقال: "لا يمكنك أن تعتقد بجدية أن الولايات المتحدة لن ترى أمنها مرتبطاً بأمن أوروبا بعد الآن، أليس كذلك؟".
لكن بعد فترة قصيرة، تم اختبار رفض أوروبا لقبول التحول الجذري، الذي استلزمته إعادة انتخاب ترامب من خلال سلسلة من الأحداث وقعت في شهر شباط/فبراير الماضي.
في أول اجتماع له مع حلف "الناتو"، قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث لنظرائه، إن أوروبا بحاجة إلى "تولي ملكية الأمن التقليدي في القارة".
وبعد ذلك، اتفق ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن الولايات المتحدة وروسيا ستتفاوضان على إنهاء الحرب في أوكرانيا، دون مشاركة أوكرانيا أو أوروبا.
ثم جاء خطاب جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي في مؤتمر ميونيخ الأمني، عندما قال إن أكبر تهديد لأوروبا ليس روسيا أو الصين بل "التهديد من الداخل، تراجع أوروبا عن بعض قيمها الأساسية".
وفي نهاية ذات الشهر، واجه الرئيس ترامب ونائبه فانس الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي، على الهواء مباشرة، حيثُ صرخ ترامب في وجه زيلينسكي قائلًا: "أنت لا تملك الأوراق"، وهو ما دفع أوروبا إلى التحول من مرحلة الإنكار إلى غضب.
الغضب لم يدم طويلاً، ففي الأشهر القليلة التالية، انتقل الاتحاد إلى المساومة، حيثُ أقنع القادة الأوروبيون الرئيسون زيلينسكي بنسيان مواجهة المكتب البيضاوي وإخبار ترامب أنه ملتزم تماماً بالسلام، وأن أوروبا ستنضم بعد ذلك إلى أوكرانيا في دعم وقف إطلاق نار غير مشروط، كما طالب ترامب.
وفي شهر نيسان/أبريل الماضي، عندما أعلن ترامب عن تعريفات "يوم التحرير"، مستهدفاً الدول المتحالفة بقسوة تماماً كالدول غير المتحالفة، تحركت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بسرعة للتفاوض على صفقات من شأنها خفض المعدلات من المستويات الأولية البالغة 25% أو أكثر.
وبحلول شهر حزيران/يونيو الماضي، وافق قادة "الناتو" على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة التي أصر عليها ترامب.
وأعطت مفاوضات أوروبا بشأن أوكرانيا والتجارة والدفاع ترامب الانتصارات، التي طالما تاق إليها، لكن سرعان ما أصبح واضحاً أنه مهما كانت الانتصارات عظيمة أو المجاملات متملقة، فإن الرئيس الأمريكي سيضعها ببساطة في جيبه ويمضي قدماً، مع اهتمام ضئيل بالعلاقة عبر الأطلسية.
وبحلول شهر آب/أغسطس الماضي، كان ترامب قد عاد بالفعل للتفاوض مباشرة مع بوتين حول مصير أوكرانيا، في قمة مفروشة بسجاد أحمر في ألاسكا.
ورغم أنه سافر إلى الاجتماع متوعداً بـ"عواقب وخيمة" إذا لم يوافق الزعيم الروسي على وقف إطلاق النار، إلا أنه غادر بعد أن تبنى موقف بوتين بأن الحرب لا يمكن أن تنتهي، إلا إذا كان هناك اتفاق سلام متفق عليه بالكامل.
وبعد أيام، توجه ما لا يقل عن 8 قادة أوروبيين إلى واشنطن لمحاولة إقناع ترامب بتغيير المسار ودفع روسيا لقبول وقف إطلاق النار، الذي اقترحه منذ فترة طويلة.
وبينما نجح ذلك إلى حد ما، إلا أن معظم القادة غادروا واشنطن في حالة اكتئاب شديد، ومهما حدث، عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، وهي قضية يعتبرونها وجودية لأمنهم، فإن ترامب ببساطة لم يكن على الصفحة نفسها.
وفي النهاية، كان نشر استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة بمثابة القشة، التي قسمت ظهر البعير حتى لأكثر أنصار الأطلسي صلابة في أوروبا.
فالاستراتيجية الأمريكية لا تقتصر على توبيخ القارة لتسببها المزعوم في موعدها مع "المحو الحضاري"، بل تؤكد أيضاً بوضوح أن كلاً من ترامب وإدارته ينظران إلى روسيا بشكل مختلف تماماً عن أوروبا.
واختفى أي ذكر لموسكو كتهديد عسكري، وبدلاً من ذلك، تسعى الولايات المتحدة للعودة إلى "الاستقرار الاستراتيجي" مع روسيا، بل وتعرض نفسها كوسيط بين روسيا وأوروبا بشأن الأمن، على الرغم أن الحليف لا يقول مثل هذه الأشياء أو يتصرف بهذه الطريقة.
وبعد عام طويل، وصلت أوروبا الآن إلى قبول الواقع بأن العلاقة عبر الأطلسية، التي شهدتها واعتمدت عليها طويلاً لم تعد موجودة، وأن عقود "باكس أمريكانا"، انتهت إلى حد كبير بالنسبة لأوروبا.