في خضم تسارع التحركات الدبلوماسية الرامية لإحياء مسار التفاوض بين طهران وواشنطن، يبرز حضور المرشد الأعلى وغيابه ودوره في حسم القرارات المصيرية، خاصة مع تصاعد الحديث عن تراجع التأثير الفعلي لهذا الموقع في المرحلة الراهنة، ما يزيد من التساؤلات حول انعكاس ذلك على فرص التوصل إلى اتفاق شامل.
وتشير معطيات وتقارير متقاطعة إلى أن بنية النظام السياسي الإيراني، التي قامت لعقود على مركزية القرار بيد المرشد، تواجه اليوم اختبارًا غير مسبوق، فالمفاوضات التي لطالما ارتبط نجاحها أو تعثرها بموقف واضح وصريح من المرشد، تبدو حاليًا محكومة بحالة من التردد وعدم الحسم، ما ينعكس مباشرة على مسارها ووتيرتها.
ويقول أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور بدر الماضي إن المرشد الأعلى يشكل الركيزة الأساسية في بنية النظام الإيراني، حيث جرى منذ عهد الخميني، اختزال الدولة في شخص المرشد، وهو ما تعزز بصورة أكبر خلال فترة خامنئي، الذي نجح في تركيز القرارين السياسي والعسكري في يده.
ويضيف الماضي لـ "إرم نيوز" أن هذا التمركز جعل من المرشد مركز القرار الأول والأخير في القضايا الداخلية والخارجية، بحيث بات أي موقف يصدر عنه حاسمًا في رسم توجهات الدولة، غير أن هذا الاعتماد الطويل، وفق الماضي، أفضى إلى إضعاف قدرة المؤسسات الأخرى على اتخاذ قرارات مستقلة، ما يفسر حالة الارتباك الحالية في ظل غياب دور واضح للمرشد.
ويؤكد الماضي، أن المرحلة الراهنة تشهد غيابًا لوحدة القرار، إذ لا توجد جهة تحظى بإجماع داخلي يمكّنها من حسم الملفات المصيرية، وعلى رأسها ملف التفاوض مع الولايات المتحدة.
وتنعكس هذه الحالة، بحسب تقديره، في تعدد التقارير التي تتحدث عن خلافات داخل آليات اتخاذ القرار، سواء بين الحرس الثوري والقيادات السياسية، أو حتى داخل الحرس نفسه.
ويتوقع الماضي أن تستمر هذه الحالة خلال الأشهر المقبلة، في ظل غياب دور واضح لمجتبى خامنئي عن دائرة الحسم، الأمر الذي يضعف تماسك القرار الإيراني ويؤثر سلبًا على فرص التوصل إلى اتفاق.
في المقابل، يقول المحلل السياسي بلال العضايلة إن منظومة صنع القرار في إيران تتمتع بطابع مؤسسي متجذر، مكنها من الحفاظ على تماسكها حتى في ظروف شديدة التعقيد، لافتًا إلى أن ما يبدو غيابًا قد يكون جزءًا من تكتيك سياسي أو احترازات أمنية تهدف إلى إدارة التفاوض بقدر من الغموض.
ويؤكد العضايلة لـ "إرم نيوز" أن القضايا المطروحة على طاولة التفاوض مثل التخصيب النووي، ومدى الصواريخ البالستية، وحرية الملاحة في مضيق هرم تُعد من أكثر الملفات حساسية، ما يجعل وجود مرجعية حاسمة أمرًا ضروريًا لترجيح أي اتجاه.
لكن العضايلة، في الوقت ذاته، يشدد على أن التباينات داخل النظام الإيراني ليست بالضرورة مؤشرًا على انقسام، بل قد تعكس توزيع أدوار بين التيارات المختلفة.
وعلى أرض الواقع، تبدو هذه الجدلية واضحة في المشهد الإيراني الداخلي، حيث تتحدث تقارير عن تصاعد ما وُصف بـ"ثورة شك" داخل دوائر الحكم، وسط مطالبات بإثبات قدرة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي على إدارة شؤون البلاد، في ظل غيابه عن الظهور العلني منذ توليه المنصب.
وترافق ذلك مع اتهامات متبادلة بين معسكرات داخلية، بعضها يلمّح إلى وجود "إدارة من وراء الكواليس" تقودها أطراف داخل الحرس الثوري.
هذا المناخ من الشكوك يعمق أزمة الثقة داخل بنية النظام، ويعزز من فرضية غياب مركز قرار موحد، وهو ما ينعكس مباشرة على المسار التفاوضي، فالمفاوضات بطبيعتها، تتطلب وضوحًا في المواقف وقدرة على تقديم التزامات نهائية، وهو ما يبدو صعب التحقيق في ظل تعدد مراكز التأثير.
في موازاة ذلك، تتواصل الجهود الدولية لدفع عجلة التفاوض، حيث تقود باكستان وساطات نشطة عبر مسارات متعددة، تشمل اتصالات مباشرة وأخرى غير مباشرة، بهدف إعادة إيران إلى طاولة الحوار.
وتعكس هذه الجهود إدراكًا دوليًا لحساسية المرحلة، ومحاولة لاستثمار الهدنة الحالية وتحويلها إلى اتفاق دائم، فيما تشير معطيات إلى تفاؤل أمريكي حذر بإمكانية تحقيق اختراق في المدى القريب، مدفوعًا بعوامل ضغط متعددة، من بينها الحصار البحري والحاجة الإيرانية للسيولة المالية.
إلا أن هذا التفاؤل يبقى مشروطًا بقدرة الجانب الإيراني على اتخاذ قرار واضح، وهو ما يرتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بدور المرشد.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن غياب التأثير الفعلي للمرشد سواء كان حقيقيًا أو تكتيكيًا، يطرح تحديًا جوهريًا أمام مسار التفاوض، فالنظام الذي بُني على مركزية القرار يجد نفسه أمام اختبار إعادة توزيع الصلاحيات، في وقت تتطلب فيه المرحلة سرعة وحسمًا في اتخاذ القرار.