عاد الملف النووي الإيراني إلى واجهة المشهد عبر قنوات اتصال نشطة بين موسكو والوكالة الدولية للطاقة الذرية، بالتزامن مع تعثر المحادثات بين واشنطن وطهران واستمرار حالة التهدئة المؤقتة بعد جولات تصعيد سابقة.
وتعود جذور التطورات الحالية إلى شهر حزيران/يونيو 2025، حين اندلعت مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى استمرت 12 يومًا، قبل أن تتجدد الضربات خلال 2026.
وشهدت فيينا خلال شهر شباط/فبراير الماضي اجتماعًا ضم ممثلي روسيا والصين وإيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحضور مديرها العام رافائيل غروسي، حيث تم التأكيد على أهمية الوصول إلى حل سياسي ودبلوماسي للملف النووي، مع استمرار التنسيق الفني بين الأطراف المشاركة في الاجتماع.
وتتضمن المبادرة الروسية نقل كميات من اليورانيوم المخصب خارج إيران، على غرار ما جرى ضمن ترتيبات الاتفاق النووي لعام 2015، حين تم نقل نحو 11 ألف كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى روسيا.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن المخزون الإيراني الحالي يقترب من 2000 كيلوغرام، منها نحو 450 كيلوغراماً مخصبة بنسبة تصل إلى 60%.
ومع دخول شهر نيسان/أبريل الجاري، تزامنت التهدئة الميدانية مع توقف مسارات تفاوضية مباشرة، وهو ما أفسح المجال لتحركات عبر وسطاء واتصالات غير مباشرة بين الأطراف المعنية.
وأكد دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، أن روسيا على اتصال دائم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك فيما يتعلق بالوضع في إيران، وأن هذا التواصل يأتي في إطار متابعة التفاصيل الفنية المرتبطة بالبرنامج النووي وآليات الرقابة الدولية عليه في المرحلة الحالية.
وأوضح أن المبادرة الروسية الخاصة بنقل اليورانيوم المخصب من إيران كان يمكن أن تمثل حلًا مناسبًا إلا أن الولايات المتحدة لم توافق عليها، مشيرًا إلى أن المقترح ليس قيد النقاش حاليًا مع بقاء الاستعداد الروسي لإعادة طرحه.
في المقابل، ترفض الولايات المتحدة مقترح نقل اليورانيوم إلى الخارج، مع تمسكها بضمانات تتعلق بمستقبل التخصيب، وطرحت طهران بدائل تشمل خفض مستويات التخصيب داخل البلاد أو تعليق الأنشطة لفترة زمنية محددة مقابل رفع العقوبات، دون التوصل إلى اتفاق نهائي حول هذه المقترحات.
وأكد المحاضر في العلوم السياسية الدكتور ميرزاد حاجم، أن توصيف الدور الروسي في الملف النووي الإيراني يحتاج إلى قراءة أكثر دقة تتجاوز التوصيفات الشائعة، موضحًا أن استخدام تعبير "وسيط رئيسي" لا يعكس طبيعة التحرك الروسي الحالي.
وبيّن لـ"إرم نيوز"، أن الوساطة في معناها التقليدي تقوم على الحياد، بينما تتحرك موسكو بوصفها "فاعلًا استراتيجيًا" يسعى إلى إعادة تشكيل توازنات النظام الدولي، وليس مجرد طرف يسهّل الحوار بين واشنطن وطهران.
من جانبه، قال المحلل السياسي مصطفى الخفاجي، إن روسيا تملك مقومات تؤهلها للعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، خاصة في ظل تعقيدات الملف النووي وتداعيات الصراعات الإقليمية.
وأشار لـ"إرم نيوز" إلى أن موسكو ترتبط بعلاقات متينة مع طهران تمتد إلى مجالات متعددة، من بينها التعاون السياسي والعسكري والاقتصادي، فضلًا عن التنسيق المستمر بين الطرفين خلال الفترات الماضية.
وكشف أن هذا العمق في العلاقات يمنح روسيا قدرة على التأثير في المواقف الإيرانية، في الوقت الذي تحتفظ فيه بقنوات اتصال مع واشنطن، وهو ما قد يسهّل أي جهود وساطة محتملة.
وأكد الخفاجي أن وجود مستوى من التفاهم بين القيادتين الروسية والأمريكية قد يسهم في تهيئة بيئة مناسبة للحوار، خاصة في القضايا المعقدة مثل الملف النووي.
وأضاف أن الدور الروسي لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى المشاركة الفنية داخل بعض المنشآت النووية الإيرانية، وهو ما يعكس مستوى الشراكة بين البلدين ويمنح موسكو نفوذًا مباشرًا في هذا الملف.