تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً دراماتيكياً منذ انطلاق عملية "ملحمة الغضب" حيث أدى القصف الأمريكي الإسرائيلي المكثف لمدن إيرانية ومقتل المرشد الأعلى علي خامنئي إلى خلط الأوراق الاستراتيجية.
في قلب هذا الإعصار، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مدفوعًا نحو اختبار غير مسبوق لدوره العسكري عبر تعزيز عملية "أسبيدس" البحرية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول تحول هذه المهمة من "درع" لحماية الملاحة إلى جزء من منظومة ردع تقودها واشنطن.
اختبار الدور العسكري تحت غطاء حماية الملاحة
وفقاً لتقارير "ديفديسكورس" و"لأوبينيون"، أعلنت منسقة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، عن تعزيز مهمة "أسبيدس" بسفن إضافية لمواجهة الارتفاع الحاد في طلبات الحماية في مضيق هرمز والبحر الأحمر.
ورغم أن الغطاء المعلن هو "حرية الملاحة"، إلا أن التوقيت يضع أوروبا في مواجهة مباشرة مع التداعيات العسكرية للضربات الأمريكية.
كما يبرز إرسال فرقاطات فرنسية إضافية كدلالة سياسية وعسكرية عميقة؛ ففرنسا، التي طالما نادت بـ "السيادة الأوروبية"، تجد نفسها الآن توازن بين دعم القانون الدولي وبين الضرورات الميدانية لحماية مصالحها، خاصة بعد هجوم للمسيرات الإيرانية على قاعدة تستضيف قوات فرنسية، بحسب ما أوردت صحيفة "ليه إيكو".
هل تتحول "أسبيدس" إلى ذراع للردع الأمريكي؟
تشير صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن القادة الأوروبيين، رغم تهميشهم من قبل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التخطيط للهجوم، بدأوا يتكيفون مع واقع جديد.
وبينما يرفض رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز التدخل العسكري الأحادي، يرى المستشار الألماني فريدريش ميرتس أن واشنطن تقوم بمهمة "لا تستطيع أوروبا القيام بها بمفردها".
هذا الانقسام يعزز فرضية التحول الصامت في العقيدة العسكرية الأوروبية؛ فالمشاركة بسفن إضافية في ظل تهديد الحوثيين، المدعومين إيرانيا، بضرب المصالح الأمريكية والأوروبية في البحر الأحمر، يعني دخولاً تدريجياً في مسرح المواجهة.
وفي هذا الإطار يحذر الخبراء من أن المهمة لم تعد مجرد مرافقة ناقلات النفط، بل أصبحت "أسبيدس" في حالة تأهل قصوى للرد على الصواريخ والمسيرات، وهو ما يقربها من مفهوم "العمل الدفاعي المتناسب" الذي أعلنته دول الـ E3 (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا) لتدمير قدرات طهران من مصدرها.
تآكل "قوة القانون" أمام "قانون القوة"
يرى المحلل حكيم القروي في مقالته بجريدة "لوبينيون" أن أوروبا "تطلق النار على قدمها" عبر عدم إدانة الخروج على القانون الدولي. ويحذر من أن القبول بمنطق "تغيير النظام" بالقوة الذي يتبعه ترامب يجرد أوروبا من سلاحها الوحيد وهو "شرعية القانون".
كما يؤكد أن هذا الانخراط العسكري الأوروبي، سواء كان دفاعياً أو لردع التهديدات، يضع القارة أمام معضلة: فإما الاستمرار كـ "تابع" للمنظومة الأمنية الأمريكية التي يقودها ترامب، أو محاولة صياغة عقيدة مستقلة وسط النيران.
ولكن الواقع الميداني، مع وصول أسعار النفط لارتفاعات قياسية واستهداف القواعد البريطانية في قبرص، يشير إلى أن أوروبا قد تجاوزت مرحلة "المراقب" وأصبحت جزءاً أصيلاً من مسرح العمليات.