يبدو أن واشنطن لا تزال تتحرك في ملف الحرب الروسية الأوكرانية على حافة التفاوض بالنار والمال. فقد كشف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) عن تعهد أمريكي بتزويد أوكرانيا، خلال عام 2026، بأنظمة عسكرية "حرجة" لا تمتلكها أي دولة أخرى في الحلف، بقيمة تتراوح بين 12 و15 مليار دولار.
ورغم رفضه الإفصاح عن طبيعة تلك الأنظمة، فإن الإشارة إلى تفرد الولايات المتحدة بها تعكس الرهان على التفوق النوعي أكثر من الكمي، في لحظة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية مع محاولات فتح مسار سياسي.
وشدد مارك روته على أن تمويل القوات الأوكرانية سيظل أولوية حتى بعد انتهاء الصراع، معتبرًا أن تعزيز الجاهزية العسكرية يتقدم مرحليًا على إعادة الإعمار.
ووفقا للمراقبين، يكشف هذا الترتيب في الأولويات أن الغرب لا ينظر إلى الحرب باعتبارها حدثا عابرا بل كتحول استراتيجي يتطلب بناء قوة ردع طويلة الأمد داخل أوكرانيا، بما يمنع تكرار سيناريو المواجهة مستقبلاً.
وفي هذا الوقت تعتبر موسكو أن استمرار تدفق الأسلحة الغربية يعقّد فرص التسوية السياسية ويدفع دول "الناتو" نحو انخراط أعمق في الصراع، مؤكدة أن ضخ السلاح لا يخدم المفاوضات بل يطيل أمد المواجهة.
ومع هذه الخطوة الأمريكية، يتشكل واقع تفاوضي قائم على معادلة واضحة، تتمثل في أن كلما ارتفع سقف الدعم العسكري، تعزز موقف كييف التفاوضي، لكن في المقابل ترتفع كلفة الانخراط الغربي ومخاطر التصعيد.
وأكد الدبلوماسي الأمريكي السابق، باتريك ثيروس، أن المشهد القائم بين استمرار القتال ومسار التفاوض ليس استثناءً في التاريخ السياسي، موضحًا أن العديد من النزاعات شهدت مفاوضات متزامنة مع العمليات العسكرية.
وأشار في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز" إلى أن حرب فيتنام تُعد نموذجا كلاسيكيا لهذا النمط، حيث لم تتوقف المواجهات الميدانية رغم وجود مسارات دبلوماسية نشطة لإنهاء الحرب.
وأوضح ثيروس أن إعلان الولايات المتحدة بيع أسلحة لدول أوروبية بغرض إعادة تصديرها إلى أوكرانيا يندرج ضمن استراتيجية دعم القدرات الدفاعية لكييف، مع الحفاظ على هامش سياسي يسمح باستمرار قنوات التفاوض.
ولفت إلى أن أوروبا تعاقدت على منظومات أمريكية لا تنتجها أو لا تمتلكها أي دولة أخرى في حلف "الناتو"، مشيرًا إلى أن نظام الدفاع الجوي عالي الارتفاع "THAAD" قد يكون من بين الأمثلة المطروحة، وإن لم تُكشف تفاصيل الحزمة كاملة.
وأشار الدبلوماسي الأمريكي السابق، إلى أن هذه الصفقات تعكس تعقيدات المرحلة الدولية الراهنة، حيث يتداخل المسار العسكري مع المسار السياسي في معادلة دقيقة تتطلب إدارة توازن مستمر بين الضغط الميداني ومحاولات التوصل إلى تسوية، معتبرًا أن هذا التداخل بات سمة رئيسية في أزمات القرن الحادي والعشرين.
من جانبه، رأى المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، الدكتور نبيل رشوان، أن المشهد الأوكراني أقرب إلى "عد الأصابع" أو صراع "عض الأصابع"، حيث يمارس كل طرف أقصى أدوات الضغط المتاحة لديه.
وكشف في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز" أن موسكو تكثف ضرباتها الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة لإرغام كييف على القبول بشروطها، في حين تلوّح واشنطن بزيادة الدعم العسكري إذا لم يتم الانخراط الجاد في التفاوض أو وقف إطلاق النار.
وأشار رشوان إلى أن الضغوط لا تقتصر على واشنطن وموسكو، إذ تمارس كل من المملكة المتحدة وفرنسا ضغوطًا في اتجاه تعزيز الحضور العسكري الأوروبي، بما في ذلك طرح فكرة إرسال قوات، وهو ما يزيد المشهد تعقيدًا ويرفع احتمالات الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
وأكد الخبير في الشؤون الروسية، أن العمليات العسكرية المستمرة أوقعت ضحايا مدنيين، في وقت يواصل فيه الغرب إعداد حزمة العقوبات العشرين ضد روسيا، والتي يُتوقع أن تمس قطاع النفط والغاز بشكل مباشر، عبر إنهاء العقود القصيرة الأجل للغاز الروسي بحلول 25 أبريل/نيسان، والعقود الطويلة الأجل بنهاية العام.
ولفت إلى أن بعض الدول الأوروبية لا تزال تحصل على النفط والغاز الروسيين عبر وسطاء وبأسعار أعلى، غير أن تحركات أمريكية يقودها مارك روبيو تستهدف إقناع دول مثل المجر وسلوفاكيا بوقف الاستيراد، وهو ما يمثل تحديًا إضافيًا لموسكو.
وأضاف أن روسيا ستواجه صعوبات في توسيع صادرات الغاز المسال إلى آسيا، نظرًا لاعتماد بعض المسارات على الظروف المناخية في بحر الشمال، إضافة إلى ضرورة عبور الشحنات عبر قناة السويس، ما يرفع التكلفة ويضعف القدرة التنافسية للغاز الروسي مقارنة بالغازين القطري أو الإيراني.
وأشار رشوان إلى أن أوكرانيا استخدمت مؤخرًا صواريخ "هيمارس" الأمريكية الموجهة عبر الأقمار الصناعية، مؤكدًا أن الدور الأمريكي في توجيه هذه المنظومات يعكس عمق الانخراط التقني في ساحة المعركة.
وأكد المحلل السياسي أن مسار الأزمة سيتحدد وفق قدرة كل طرف على الصمود وإدارة موارده، معتبرًا أن العام الجاري قد يشهد تقدمًا نحو وقف إطلاق النار، لكن ذلك يظل رهينًا بميزان القوة وإرادة التفاوض لدى الطرفين.