وضع الخبير الإيراني بوتكين أزارمهر، 3 مسارات محتملة لما هو قادم في إيران، في مرحلة "لا يوجد رابح فيها"، على ما أوردت صحيفة "ليكو" البلجيكية.
ويتمثل السيناريو الأول في "صراع مطوّل لكن محدود، حيثُ تواصل فيه الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتهما المركّزة حتى يرضخ الحرس الثوري، فتنشأ مرحلة انتقالية تُديرها فصيلة مقبولة من داخل النظام.
وأشارت الصحيفة إلى أن السيناريو الأول يُعتبر الأكثر ترجيحًا، لكن يفترض قدرًا من العقلانية في أوساط الحرس الثوري قد لا يتوفر.
ويتمحور السيناريو الثاني، حول "اشتعال إقليمي شامل"، إذ تُصعّد إيران ردّها وتستنجد بوكلائها في المنطقة، مثل ميليشيا حزب الله من لبنان وميليشيا الحوثي من اليمن يفتحون جبهات إضافية، وخلايا إيرانية نائمة في أوروبا وأمريكا تُنشَّط، ومضيق هرمز يُغلَق فعليًا، مما يُفضي إلى أزمة طاقة عالمية وركود اقتصادي.
وفي هذا الصدد، قالت الأمريكية دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع السابقة للشرق الأوسط، في تصريح لمجلة "ذا أتلانتيك"، إن "أسوأ النتائج المحتملة هو الفوضى الشاملة".
ويذهب السيناريو الثالث إلى "تهدئة تحت الضغط"، وذلك بعد أيام من التصعيد المؤلم، تقبل الأطراف وساطة دولية.
وعلى الرغم من أن هذا السيناريو الأقل احتمالًا في المدى القريب، لكنه يظل ورقة تلوّح بها الضغوط الاقتصادية العالمية ومخاوف التجديد النصفي الأمريكي في الانتخابات الأمريكية النصفية، التي تُجرى في شهر تشرين الثاني/نوفمبر المُقبل.
لم يكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يخوض حربًا عادية حين أطلق "عملية الغضب الملحمي" فجر يوم أمس السبت، بل كان يُقامر بأعلى رهان في تاريخ رئاسته، ولا سيما أن مستشاريه الأكثر قربًا منه، من نائب الرئيس جيه دي فانس إلى رئيس هيئة الأركان الجنرال دان كين، أبدوا تحفظاتهم بشأن العملية.
كبير مستشاريه في البيت الأبيض سوزي وايلز لم تُبدِ موقفًا شخصيًا، لكنها عرضت عليه تحذيرات مكتوبة من "عواقب لا يمكن التنبؤ بها".
وسيط المفاوضات، وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، أعلن قبل ساعات من الضربة أن الطرفين كانا يقتربان من "قلب الاتفاق".
وبعد الضربة مباشرةً، قال أحد كبار مستشاري ترامب لمجلة "ذا أتلانتيك": "يبدو الأمر خاطئًا. كيف تُمضي ساعتين في خطاب حول الاقتصاد، ثم تُطلق حربًا بهذا الحجم بعد أيام؟".
وعلى الرغم من أن جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأسبق لترامب، أشاد بالضربة ووصفها لموقع "بوليتيكو"، بأنها "أهم قرار في رئاسته"، لكنه لم يُخفِ قلقه، عندما قال "أخشى أنهم لم يُجروا التشاور الكافي مع المعارضة الإيرانية على الأرض. وهذا خطأ كبير، لأنك في أي عملية تغيير نظام، تحتاج إلى معارضة قادرة على استقطاب الضباط والجنرالات للانشقاق".
وحين سُئل عمّا يتوقعه، أجاب بولتون ببساطة: "أتوقع اضطرابًا كثيرًا، ودماءً كثيرة"، محذرًا بشكل خاص من مضيق هرمز، عندما قال: "كل ما تحتاجه إيران هو أن تضرب ناقلة واحدة بطائرة مسيّرة، فتتوقف كل السفن عن المرور".
وأضاف أن التأمين على الناقلات وحده "سيُوقف تدفق النفط مؤقتًا"، في لحظة لا يتحمّل فيها ترامب سياسيًا ارتفاع أسعار الوقود قُبيل انتخابات التجديد النصفي.
وعلى الجانب الاقتصادي، رصدت شبكة "سي إن بي سي" أن المستثمرين يترقبون فتح الأسواق بقلق بالغ: عقود النفط الآجلة في بورصة هايبر ليكويد، التي تعمل على مدار الساعة قفزت نحو 5%.
كما ارتقع الذهب 1.2%، فيما يتوقع بوب ماكنالي، المستشار السابق في عهد بوش، ارتفاع أسعار النفط بين 5 و7 دولارات حين تفتح الأسواق مساء اليوم الأحد في غياب أي مؤشر على تهدئة.
والعملية المشتركة بين أمريكا وإسرائيل استهدفت في بدايتها 9 مدن إيرانية على الأقل، في مقدمتها طهران وأصفهان وقم وكرمانشاه، وأُعلن لاحقًا اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، فضلًا عن وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري وكبار المسؤولين الأمنيين.
لكن طهران لم تصمت، حيث ردّت بضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت إسرائيل والأردن والمملكة العربية السعودية، وكذلك القواعد العسكرية الأمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين، محوّلةً ما بدأ حربًا ثنائية إلى أزمة إقليمية متشعبة تمتد من الخليج حتى البحر الأحمر.
ووصف وزير خارجية النرويج الضربات بأنها "لا تتوافق مع القانون الدولي"، فيما أعربت سلطنة عُمان، الوسيط الذي جهد في رأب الصدع، عن "ذهولها" وطالبت واشنطن بـ"عدم الانجرار أكثر إلى النزاع".
الكرملين من جهته رأى أن المسار الأمريكي يدفع المنطقة نحو "كارثة إنسانية واقتصادية، وربما إشعاعية، في المقابل، أيّدت كندا الضربات، في حين طالبت دول أوروبية عديدة بضبط النفس.
أما بريطانيا، فوقفت على الهامش بحذر مدروس؛ إذ رفض رئيس الوزراء كير ستارمر السماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها خشية انتهاك القانون الدولي، فرجل القانون السابق يعرف، وفق تحليل قناة "سكاي نيوز" البريطانية، أن "الفوضى التي أطلقها ترامب لا أحد يضمن سقفها."
وبينما لا يزال الدخان يتصاعد فوق طهران وإسرائيل ودول خليجية، تبقى الأسئلة الحقيقية معلّقة بلا إجابة: هل تنتهي الضربات قبل أن تُنتج دولة فاشلة تحتضن يورانيوم مخصّبًا؟ وهل يكفي اغتيال خامنئي لتفكيك نظام بُني أصلًا ليصمد بعده؟ التاريخ يُجيب بصمت ثقيل: العراق وليبيا وسوريا كلها بدأت بنصر معلن، وانتهت بفوضى لم تنتهِ بعد.