في تصعيد غير مسبوق للتوتر بين واشنطن وباريس، شن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومًا شخصيًا على نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، مؤكدًا أنه سيتم "إقصاؤه قريبًا" وأن "لا أحد يريده"، وفق قوله.
عندما أُبلغ ترامب بأن ماكرون، الذي تنتهي ولايته الرئاسية العام المقبل، رفض الدعوة للانضمام إلى "مجلس السلام" في غزة، قال: "حسنًا، لا أحد يريده، لأنه سيخرج من منصبه قريبًا جدًا".
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد. أضاف ترامب: "إذا شعروا بالعداء، سأفرض رسومًا جمركية بنسبة 200% على نبيذه وشامبانياته. وسينضم. لكنه لا يتعين عليه الانضمام"، على حد تعبيره.
خطوة دبلوماسية غير مسبوقة
في خطوة دبلوماسية استثنائية وغير معتادة، نشر ترامب الثلاثاء، لقطات شاشة لرسالة خاصة أرسلها له ماكرون، تُظهر الرئيس الفرنسي محاولًا الحفاظ على التواصل رغم الخلافات.
في الرسالة المنشورة على حساب ترامب على "تروث سوشال"، كتب ماكرون: "صديقي، نحن متفقون تمامًا بشأن سوريا. يمكننا أن نفعل أشياء عظيمة بشأن إيران. لا أفهم ما تفعله بشأن غرينلاند".
وأضاف ماكرون: "يمكنني تنظيم اجتماع لمجموعة السبع بعد دافوس في باريس يوم الخميس بعد الظهر. يمكنني دعوة الأوكرانيين والدنماركيين والسوريين والروس على الهامش. لنتناول عشاءً معًا في باريس يوم الخميس قبل عودتك إلى الولايات المتحدة".
جذور الأزمة.. رفض "مجلس السلام" بغزة
وأعربت باريس عن رفضها القاطع لاقتراح ترامب بإدراج فرنسا في "مجلس السلام" الجديد لغزة.
مصادر مقربة من ماكرون أكدت الاثنين، أن باريس لن تستجيب بشكل إيجابي للدعوة، بحجة أن المبادرة تثير تساؤلات حول المبادئ الأساسية للنظام الدولي وهيكل الأمم المتحدة.
مسؤول فرنسي مقرب من ماكرون قال: "القضية تثير تساؤلات، لا سيما فيما يتعلق باحترام مبادئ وهيكل الأمم المتحدة"، مؤكدًا أن فرنسا لن تنضم إلى المجلس "في هذه المرحلة".
بالنسبة للحكومة الفرنسية، الوثيقة التي قدمتها واشنطن تتجاوز التوقعات الأولية للتركيز فقط على أزمة غزة. ووفقًا لمصادر مقربة من ماكرون، يثير الاقتراح أسئلة خطيرة حول احترام ميثاق الأمم المتحدة، الذي تعتبره فرنسا مقدسًا.
وأكدت وزارة الخارجية الفرنسية هذا الموقف، مؤكدة أن القانون الدولي يجب أن يسود على التعسف وديناميكيات القوة.
توتر متعدد الجبهات
تأتي الأزمة حول "مجلس السلام" في سياق توتر أوسع بسبب مسألة غرينلاند. سيطلب ماكرون من الاتحاد الأوروبي تفعيل إجراء "مكافحة الإكراه" - الملقب بـ"البازوكا التجارية" - للمرة الأولى على الإطلاق إذا نفذ ترامب تهديداته بفرض رسوم جمركية جديدة على الدول الأوروبية لمعارضتها خططه في غرينلاند.
أعلن ماكرون في بيان على منصة إكس: فرنسا ملتزمة بسيادة واستقلال الأمم، في أوروبا وفي أماكن أخرى. لن يؤثر علينا أي ترهيب أو تهديد - لا في أوكرانيا، ولا في غرينلاند، ولا في أي مكان آخر في العالم".
وأضاف: "تهديدات التعريفات الجمركية غير مقبولة وليس لها مكان في هذا السياق. سيرد الأوروبيون بطريقة موحدة ومنسقة إذا تم تأكيدها".
التناقضات العميقة في المواقف
تكشف الأزمة الحالية عن تناقضات عميقة في الرؤى بين الرئيسين: ففرنسا تتمسك بالإطار الأممي كأساس للنظام الدولي، بينما أمريكا تسعى لإنشاء هياكل موازية خارج إطار الأمم المتحدة.
بالنسبة للقانون الدولي، باريس تؤكد احترام السيادة والحدود الدولية كمبدأ مقدس، بينما أمريكا تستعد لتجاوز المبادئ التقليدية لتحقيق "المصالح الأمنية، أما فيما يخص الحلفاء، فرنسا تدعو للحوار والتعاون، لكن أمريكا تستخدم الضغوط الاقتصادية والتهديدات الجمركية
محاولات الحفاظ على قنوات الحوار
رغم التصعيد الحاد، تكشف الرسالة المنشورة عن محاولات ماكرون المستمرة للحفاظ على قنوات الحوار مع واشنطن. تعكس دعوته لتنظيم اجتماع موسع وعشاء ثنائي رغبة باريس في عدم قطع الجسور الدبلوماسية كليًا.
لكن نشر ترامب لهذه الرسائل الخاصة يثير تساؤلات خطيرة حول احترام الأعراف الدبلوماسية التقليدية، ويضع ماكرون في موقف حرج داخليًا.
مع انتهاء ولاية ماكرون الرئاسية البالغة خمس سنوات في مايو 2027، ووفقًا للقانون الفرنسي لا يمكنه الترشح مرة أخرى لولاية ثالثة، فإن تأثيره في تشكيل العلاقات طويلة المدى مع إدارة ترامب قد يكون محدودًا.
مع ذلك، فإن الموقف الفرنسي الحازم يعكس رؤية أوسع تتجاوز شخص ماكرون - إنها رؤية فرنسية راسخة للنظام الدولي القائم على القانون والمؤسسات الدولية، في مواجهة نهج أمريكي أكثر انفرادية.
الطريق لا يزال طويلاً وشائكًا
العلاقات الفرنسية الأمريكية تمر بأصعب مراحلها منذ عقود.
والتناقضات ليست مجرد اختلافات سياسية عابرة، بل تمثل تصورات متباينة جوهريًا حول طبيعة النظام الدولي، ودور المؤسسات متعددة الأطراف، وكيفية إدارة العلاقات بين الحلفاء.
وفي ظل رفض فرنسا الخضوع للضغوط الأمريكية، واستعداد ترامب لاستخدام كل الأدوات - من التهديدات الجمركية إلى الهجمات الشخصية - يبدو أن الطريق نحو تهدئة التوتر لا يزال طويلاً وشائكًا.