ترامب: أحاول حماية الأكراد
يكشف هوس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسيطرة على غرينلاند، عن إستراتيجية متعددة الأوجه تجمع بين الضغط الاقتصادي والتهديدات العسكرية والمناورات الدبلوماسية.
لكن التحليلات تشير إلى أن هذه الإستراتيجية تواجه إخفاقات متزايدة قد تعيد تشكيل العلاقات عبر الأطلسي بشكل جذري.
تعد هذه أول إستراتيجية لترامب، حيث عاد لفكرة شراء غرينلاند التي طرحها في ولايته الأولى عام 2019، لكن هذه المرة بجدية أكبر.
ويقدر البيت الأبيض تكلفة شراء غرينلاند بنحو 700 مليار دولار، إضافة لمئات المليارات اللازمة لتطوير المناجم والحفر النفطي والطرق والكهرباء والموانئ، مع انتظار يتراوح بين 10 إلى 20 عامًا قبل تحقيق أي نجاح تجاري ملحوظ.
وستتحمل أمريكا أيضًا إعانات الدنمارك السنوية البالغة 700 مليون دولار للتعليم والرعاية الصحية لسكان غرينلاند البالغ عددهم 56 ألف نسمة.
يقول أوتو سفيندسن، الزميل المتخصص في القطب الشمالي بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية: "المبرر الاقتصادي غير موجود، بغض النظر عن كل الأسباب السياسية والقانونية والعملية التي تجعل هذا مستحيلًا في رأيي".
وأضاف أن المعادن والنفط في غرينلاند أرخص استخراجًا من أماكن أخرى في العالم، بما في ذلك داخل الولايات الأمريكية نفسها.
أما ديفيد سيلبي، المؤرخ العسكري بجامعة كورنيل، فقد قدم تحليلًا نفسيًّا لدوافع ترامب، قائلًا إن الرئيس يحب الأشياء الكبيرة والضخمة، وإن الاستحواذ على غرينلاند سيتجاوز صفقة لويزيانا، ليصبح أكبر استحواذ إقليمي في التاريخ الأمريكي.
وتابع: "إنه رجل عقارات من نيويورك. يحب الاستيلاء على الأراضي، ونشأ في عالم كان التنمر فيه جزءًا من ممارسات الأعمال".
وفي تصعيد غير مسبوق، أعلن ترامب عن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على ثماني دول أوروبية تبدأ في الأول من فبراير/شباط، مع التهديد برفعها إلى 25% بحلول الأول من يونيو/حزيران، ما لم يتم التوصل لاتفاق بشأن "الشراء الكامل والتام لغرينلاند".
والدول المستهدفة هي الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.
وجاء هذا التهديد الجمركي مفاجأة صادمة للأوروبيين، خاصة أنه تلا اجتماعًا "بنّاءً" كما وصفه وزير الخارجية الدنماركي، لارس لوكي راسموسن، مع نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، ووزير الخارجية، ماركو روبيو.
يقول مايكل بوتشوركيف، الزميل الأقدم غير المقيم بمركز الأطلسي لأوراسيا، إن إستراتيجية "مداهنة ترامب" الأوروبية فشلت، وتصاعد التهديدات انتقل من "المقلاع إلى القاذفة".
الأكثر إثارة للقلق هو رفض البيت الأبيض استبعاد استخدام القوة العسكرية.
وقالت المتحدثة كارولين ليفيت: إن ترامب "جعل من المعروف جيدًا أن الاستحواذ على غرينلاند أولوية أمن قومي للولايات المتحدة، وأن استخدام الجيش الأمريكي دائمًا خيار متاح للقائد العام".
لكن خبراء الأمن يشيرون إلى أن ذلك غير ضروري، إذ تمتلك أمريكا معاهدة مع كوبنهاغن تسمح بمرونة هائلة للهبوط والإقلاع الأمريكي، والمراسي، والموانئ، ومرافق المعيشة، واحتياجات القواعد الأخرى.
ويمكن لغرينلاند استيعاب حامية جديدة وقواعد وآلاف الأفراد العسكريين دون الحاجة للضم.
ورسمت مجلة فورين أفيرز سيناريو افتراضيًّا مفصلًا لكيفية نجاح ترامب في السيطرة على غرينلاند دون استخدام القوة.
وبحسب السيناريو، في مايو/أيار عام 2026، أعلنت إدارة ترامب عن "مبادرة تطوير إستراتيجية" بقيمة 10 مليارات دولار لغرينلاند، ظاهريًّا لتطوير البنية التحتية وتعزيز استغلال الموارد الطبيعية.
ووفق السيناريو، تحركت واشنطن عبر وكلاء: مجموعة من اتحادات التطوير، وفرق الاستجابة للكوارث، والمنظمات غير الحكومية، والاستشاريين، ومنتديات طاقة القطب الشمالي، جميعها تتباهى بروابط فضفاضة مع المانحين المتحالفين مع ترامب أو التمويل الحكومي الأمريكي، ونزلت على غرينلاند صيف 2026.
لقد تم نشر الاستثمارات على المستوى البلدي لا الوطني؛ ما أدى لتقويض السيادة المركزية.
وحاليًّا، البيت الأبيض في محادثات مع شركة التعدين الكندية Amaroq Ltd. لاستخراج واستكشاف مواد مثل الذهب والنحاس والجرمانيوم والغاليوم، من بين معادن حرجة أخرى.
كما ناقش الرئيس التنفيذي للشركة إمكانية "اتفاقيات شراء، ودعم البنية التحتية، وخطوط ائتمان".
المفاجأة الكبرى لترامب جاءت من الوحدة الأوروبية غير المسبوقة، إذ أصدرت الدول الثماني المستهدفة بيانًا مشتركًا تحذّر فيه من أن "التهديدات الجمركية تقوّض العلاقات عبر الأطلسي، وتحمل خطر دوامة هبوط خطيرة".
وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن: "لن تخضع أوروبا للابتزاز".
وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا ملتزمة بسيادة الدول واستقلالها، وأنه "لن يؤثر فينا أي تخويف أو تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم".
الأهم من ذلك، كان هذا التوبيخ الأقوى لترامب من الحلفاء الأوروبيين منذ عودته للبيت الأبيض قبل عام تقريبًا، وفي الأشهر الأخيرة اختار الأوروبيون في الغالب الدبلوماسية والمجاملة حوله؛ ما يشير إلى نقطة تحول في الإستراتيجية الأوروبية.
أكبر فشل في إستراتيجية ترامب هو أنه يطالب بما يمكنه الحصول عليه بالفعل.
يقول السفير الأمريكي السابق لدى الناتو والصين، نيك بيرنز: "هناك طريقة لإدارة ترامب للحصول على ما تقول إنها تريده - وهو الوصول للمعادن والقواعد العسكرية - بفعل أمر طبيعي. وذلك باحترام الدنمارك والعمل معهم دبلوماسيًّا على الأساس الذي اقترحته الدنمارك: نحن ذوو سيادة، لكننا نرحب بالاستثمار الأمريكي والوجود العسكري".
ويوافقه مالتي هامبرت، خبير الجيوسياسة القطبية ومؤسس معهد القطب الشمالي، مؤكدًا أن السيطرة الكاملة على غرينلاند ليست ضرورية لتحقيق أهداف ترامب الأمنية.
وأشار هامبرت إلى معاهدة الدفاع لعام 1951 بين الولايات المتحدة والدنمارك، التي تمنح أمريكا بالفعل صلاحيات واسعة.
وحتى لو نجح ترامب في السيطرة على غرينلاند، فإن العوائد الاقتصادية مشكوك فيها.
يقول أنتوني مارتشيزي، رئيس شركة " Texas Mineral Resources": إذا كنت ستذهب إلى غرينلاند من أجل معادنها، فأنت تتحدث عن مليارات الدولارات".
ووفقًا لأبحاث المعهد الدنماركي للدراسات الدولية، تدفع الولايات المتحدة حاليًّا لدول اتفاق الارتباط الحر في المحيط الهادئ نحو 2025 دولارًا للفرد، بينما تقدم الدنمارك لغرينلاند نحو 12500 دولارًا للفرد - أكثر من ستة أضعاف.
ويحذر أستاذ السياسة العامة بجامعة ألاسكا، بوب لوفلر، من أن استثمار أمريكا في غرينلاند قد لا يستحق الوقت: "الناس يسيئون فهم المدة التي يستغرقها تطوير منجم"، مشيرًا إلى أنه قد يستغرق حتى 20 عامًا لتطوير موقع تعدين قابل للاستمرار.
المفارقة الساخرة أن إستراتيجية ترامب تحقق عكس أهدافها المعلنة.
وقالت رئيسة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس: "الصين وروسيا لا بد أنهما يقضيان يومًا رائعًا.. هما من يستفيدان من الانقسامات بين الحلفاء".
أما نائب رئيس مجلس الأمن الروسي السابق، ديمتري ميدفيديف، فقد سخر من أوروبا، قائلًا: "ماذا سيفعلون؟!... سيخافون ويتخلون عن غرينلاند. وستكون تلك سابقة أوروبية عظيمة"، مضيفًا أن "روسيا وحدها يمكنها إيقاف هذا".
ويكمن الخطر الأكبر في تهديد الناتو نفسه، إذا ضمت الولايات المتحدة - كأقوى عضو في المجموعة - أراضي عضو آخر في الناتو، كيف يمكن اعتبار تعهد الدفاع الخاص بالتحالف موثوقًا؟
ونتيجة لذلك، بدأ الأوروبيون في استكمال إستراتيجية المشاركة بالردع، إذ يمتلك الاتحاد الأوروبي "قاذفة" تجارية - وهي أداة مكافحة الإكراه التي تسمح بمعاقبة الدول غير الصديقة على "الابتزاز الاقتصادي".
ويمكن للاتحاد الأوروبي إحياء حزمة انتقامية بقيمة 93 مليار يورو تستهدف المنتجات الأمريكية إذا نفذ ترامب تهديده.
تكشف التحليلات الصحفية عن إستراتيجيات ترامب كمزيج من الطموح الشخصي والحسابات الخاطئة والفهم الخاطئ للجيوسياسية الحديثة.
وتتحدث تهديدات ترامب بالحرب والضم عن طريقة تفكير حول القوة في العالم تعود للقرن التاسع عشر وما قبله - القوة من خلال الفتح الإقليمي - وتبتعد عن الإستراتيجية الكبرى الأمريكية التي بدأت في القرن العشرين.
النتيجة حتى الآن هي عكس ما أراده ترامب: أوروبا أكثر توحدًا ضده، والناتو على حافة الأزمة، وروسيا والصين تستفيدان من الفوضى، وأقرب حلفاء أمريكا يشعرون بالخيانة.
كما يلخص راسموس سوندرغارد، الباحث الأقدم بالمعهد الدنماركي للدراسات الدولية: "هناك على الأرجح حسابات إستراتيجية من حكومات هذه الدول أنه إذا استسلمت لترامب في هذا، فما الذي سيأتي بعده؟".