أكد سيرغي ماركوف، مستشار الرئيس الروسي سابقًا، أن تصريحات نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف حول غرينلاند جاءت في سياق سياسي وإعلامي محسوب، وتهدف إلى توجيه رسائل متعددة للولايات المتحدة وأوروبا، مع إظهار أن موسكو تتابع بدقة أي نقاشات تتعلق بتغيير موازين القوى في القطب الشمالي.
وأضاف ماركوف في حوار لـ«إرم نيوز» أن روسيا لا تمتلك أي أساس قانوني للمطالبة بغرينلاند، إلا أن التصريحات تعكس رؤية استراتيجية أوسع تتعلق بأمن روسيا ومصالحها في مواجهة التوسع الغربي، خاصة في ظل تصاعد التنافس على الموارد والطاقة وطرق الملاحة الجديدة.
وأشار إلى أن موسكو تؤيد الحوار متعدد الأطراف في القطب الشمالي، لكنها تعتبر أن التصريحات الإعلامية أداة لإبراز الموقف وضمان احترام المصالح الروسية، لا بديلًا عن التفاوض، في وقت ترى فيه أن أوروبا والولايات المتحدة لم تراعيا مصالح روسيا خلال السنوات الأخيرة.
وإلى نص الحوار..
هناك بعدان رئيسان للتصريح، الأول إعلامي واستراتيجي، يقدم دعمًا ضمنيًا لترامب ويعكس تفهم روسيا لرغبته في غرينلاند، خاصة في سياق حسابات داخلية أمريكية مرتبطة بالانتخابات.
والبعد الثاني هو سياسي، حيث استخدم ميدفيديف أسلوبًا راديكاليًا مع فكاهة سوداء، ما يجعل التصريحات شخصية أكثر من كونها رسمية، ورغم ذلك، فهي ترسل رسالة واضحة بأن روسيا تراقب النقاشات الأمريكية حول الجزيرة وتتابع أي تحركات قد تمس ميزان القوى في القطب الشمالي.
من الناحية القانونية، لا تملك روسيا أي أساس مباشر للمطالبة بغرينلاند، ولكن التصريحات تُفهم في إطار استراتيجي بحت، هدفه التأكيد على أن موسكو تراقب التحركات الغربية في القطب الشمالي.
كما تعكس هذه التصريحات رؤية روسية تعتبر أن أي تغيير في السيطرة على الجزر الاستراتيجية قد يؤثر على التوازن الأمني، خاصة أن الجدل الغربي حول مخاطر سيطرة روسيا أو الصين على غرينلاند يُستَخدم بدوره لدعم السرديات الاستراتيجية في الصراع على النفوذ بالمنطقة.
يجب التفريق بين التصريحات الفردية والمواقف الرسمية، فروسيا تؤكد باستمرار احترامها للسيادة الوطنية، لكنها ترى في التوسع الغربي في القطب الشمالي تهديدًا مباشرًا لأمنها الاستراتيجي.
لذلك، هذه التصريحات تحمل طابعًا تحذيريًا ورسائليًا أكثر من كونها نية للتدخل الفعلي، والهدف هو لفت الانتباه إلى المخاوف الروسية وفرض حضور موسكو في أي نقاشات مستقبلية تتعلق بالمنطقة، دون خرق القواعد الدولية.
الرسائل متعددة، أولها لواشنطن تتضمن التأكيد أن روسيا تتابع تحركات ترامب وخططه المحتملة، وأيضا لكوبنهاغن لتذكير الدنمارك بأن الاعتماد الكامل على الدعم الغربي ليس مضمونًا، خاصة في ظل دعمها العسكري لأوكرانيا.
وأيضًا لحلف الناتو، لتوضيح أن أي تحرك أحادي في القطب الشمالي سيخضع لمراقبة روسية دقيقة، كما ترى موسكو أن أي انقسام بين أمريكا وأوروبا يصب في مصلحة دول عدة، ويقلل من الهيمنة الغربية.
نعم، فروسيا تعتبر القطب الشمالي منطقة استراتيجية بالغة الأهمية من حيث الموارد والطاقة وطرق الملاحة الجديدة التي يفتحها ذوبان الجليد.
وهذه التصريحات تندرج ضمن استراتيجية أوسع؛ لتعزيز النفوذ الروسي، وفرض موسكو كلاعب رئيس في المنطقة، خاصة في ظل التباينات المتزايدة داخل المعسكر الغربي، فالهدف ليس التصعيد العسكري، بل تثبيت الحضور السياسي والاستراتيجي الروسي.
موسكو تدرك أن هذه التصريحات قد تُعتبر استفزازية أوروبيًا، لكنها ترى أن العلاقات مع الاتحاد الأوروبي متوترة بالفعل بسبب العقوبات والدعم العسكري لأوكرانيا.
الدنمارك تحديدًا لعبت دورًا نشطًا في هذا الدعم. لذلك، لا تتوقع روسيا تغييرات جوهرية إضافية في العلاقات، بل تعتبر أن هذه التصريحات قد تخدم استراتيجيتها في القطب الشمالي دون أن تفرض كلفة سياسية جديدة.
تصريحات ميدفيديف غالبًا ما تكون مزيجًا بين الشخصي والدبلوماسي.. الأسلوب رسمي لكنه مشبع بالفكاهة السوداء، ولم يصدر في إطار بيان حكومي.
لذلك، لا يمكن اعتبارها سياسة رسمية للدولة، لكنها رسائل رمزية تعكس طريقة تفكير النخبة الروسية وتقديرها للموقف الاستراتيجي حول غرينلاند والتحركات الغربية في المنطقة.
بالتأكيد، روسيا تؤيد الحوار متعدد الأطراف وتعتبره ضروريًا لتنظيم شؤون القطب الشمالي، ولكنها في الوقت نفسه لن تتجاهل مصالحها الاستراتيجية، لذلك فالتصريحات الإعلامية تُستخدم لإبراز الموقف الروسي وضمان احترام هذه المصالح في أي مفاوضات مقبلة.
وترى موسكو أن التجربة مع الغرب، خاصة في الملف الأوكراني، تجعلها غير مستعدة للاعتماد على حسن النوايا الغربية وحده.