أكد الدبلوماسي الروسي السابق، فيتشسلاف ماتوزوف، أن الاجتماع المطول داخل الكرملين بين الرئيس فلاديمير بوتين ومسؤولين أمريكيين لا يمكن قراءته باعتباره نقاشًا حول أوكرانيا فقط، بل كجزء من صراع أوسع على شكل النظام الدولي الجديد، في ظل محاولات واشنطن إعادة فرض قيادتها العالمية عبر تحالفات مرنة.
وأضاف ماتوزوف في حوار مع "إرم نيوز"، أن موسكو تخوض المفاوضات من موقع قوة، لكنها ترفض أي تسوية لا تعترف بروسيا كقوة كبرى متكافئة، محذرًا من أن أي وقف لإطلاق النار لا يعالج قضايا السيادة والأمن سيعيد إنتاج الأزمة، وليس حلها.
وقال إن المفاوضات الجارية، سواء العلنية أو غير المعلنة، تعكس انتقال الصراع من المستوى السياسي إلى المستوى الأمني والعسكري، وإن موسكو باتت تتعامل مع الواقع الميداني كمنطلق لأي تسوية محتملة.
وأشار إلى أن ما سماه إصرار الغرب على تجاهل هذه الوقائع يعرقل فرص التوصل إلى اتفاق مستقر، ويُبقي المنطقة في دائرة تصعيد مفتوحة، محذرًا من أن تجاهل توازن القوى الجديد لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد المواجهة بدل احتوائها..
وإلى نص الحوار..
هذا الاجتماع لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأشمل للتحركات الأمريكية، خاصة في ملفات الإرهاب والشرق الأوسط وإيران.. وإن طول التوقيت يشير إلى أن النقاش تجاوز أوكرانيا ليشمل إعادة تشكيل النظام الدولي.
تحاول واشنطن استعادة دورها القيادي عبر تحالفات جديدة، في وقت ترى فيه موسكو أن ذلك يتناقض مع واقع توازن القوى، لذا فإن ما يُطرح إعلاميًّا كمبادرة سلام، يُنظر إليه روسيًّا كمحاولة لإعادة تجميع تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة، وهو مسار تعتبره موسكو غير مقبول بنيويًّا.
وصف المحادثات بالمفيدة لا يعني تحقيق اختراق فوري، بل يؤكد بقاء قنوات التواصل مفتوحة ووصول الرسائل الأساسية، خاصة أن موسكو تدرك أن واشنطن تحاول تجاوز المنظومة الدولية التقليدية، واستبدالها بتحالفات مرنة قائمة على القوة.
والجديد أن روسيا لم تعد تقبل دورًا ثانويًّا في هذا النظام، وأن التفاوض من وجهة نظر موسكو أداة لإدارة الصراع ومنع تصعيده واختبار حقيقي لمدى استعداد الولايات المتحدة للاعتراف بالوقائع الجديدة على الأرض.
التجربة هي التي تحكم الموقف الروسي.. اتفاقيات مينسك، ثم محادثات إسطنبول أظهرت أن الغرب لم يكن جادًّا في تنفيذ التزاماته. والاعترافات اللاحقة من قادة غربيين بأن الهدف كان كسب الوقت لتسليح أوكرانيا عززت انعدام الثقة.
لذلك ترى موسكو أن أي وقف لإطلاق النار لا يعالج قضايا الأراضي والسيادة والأمن، لن يكون سوى هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الأزمات نفسها، وهو سيناريو ترفضه تمامًا.
القضية الجوهرية هي مكانة روسيا في النظام الدولي الجديد. ترفض موسكو أن تُدار مصالحها الأمنية تحت مظلة أمريكية، وترفض أيضًا استخدام أوكرانيا كأداة بيد الناتو، لذلك فإن المسألة ليست حدودًا فقط، بل هي اعتراف بالسيادة والندية.
هناك ملفات كثيرة جرى التفاهم حولها سابقًا، لكن العقدة الدائمة كانت رفض الغرب الاعتراف بروسيا كقوة كبرى متكافئة، وليس كدولة إقليمية هامشية.
موسكو لا ترفض التسويات، لكنها ترفض الإملاءات، وترامب يدرك الخطوط الحمراء الروسية، وربما أكثر من بعض القادة الأوروبيين.
المشكلة أن أوروبا، خاصة بريطانيا، لا تزال أسيرة وهم إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا، وهذا وهم خطير، وإن أي تنازلات روسية لن تكون أحادية، بل جزءٌ من صفقة شاملة تعكس توازن القوى الجديد وتضمن الأمن القومي الروسي.
أي ضمانات أمنية غربية لأوكرانيا تعني من وجهة نظر موسكو تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وأي وجود عسكري غربي أو مظلة أمريكية دائمة يفتح باب الاستفزازات، لذلك فإن روسيا ترى أن الضمان الحقيقي الوحيد هو حياد أوكرانيا وعدم انخراطها في تحالفات معادية، وهذا الموقف لم يتغير منذ بداية الأزمة.
موسكو وافقت على دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية إدراكًا لخطورة أي حادث نووي، لكن من وجهة نظرها، المحطة تقع ضمن أراض تعتبرها جزءًا من كيانها الدستوري، والترتيبات التقنية والفنية يمكن بحثها، أما مسألة السيادة فغير قابلة للنقاش، وإن أي حل يتجاهل هذه الحقيقة سيكون غير واقعي.