يرى خبراء أن حالة السيولة الإدارية وتضارب الأجندات السياسية داخل أروقة القرار الأمريكي أصبحت المِعول الأول في هدم جدار الثقة بين واشنطن وكييف.
وحذروا من أن استمرار العجز عن صياغة "استراتيجية خروج" واضحة، والتمسك بمقترحات تفتقر للواقعية الميدانية، لم يعد مجرد عائق تكتيكي، بل بات نذيراً بانهيار وشيك للتحالف، حيث يترك التخبط السياسي فراغاً يهدد بتقويض كل ما تحقق من مكاسب ميدانية سابقة.
ومع حلول ديسمبر/كانون الأول 2025، بدا المشهد شديد التعقيد؛ حيث تتقاطع المسارات دون أن تلتقي، في ظل تبني واشنطن لاستراتيجية متناقضة تخلط بين الدعم والضغط.
فبين دعم عسكري واستخباراتي مستمر خلف الكواليس، وضغوط سياسية علنية تدفع كييف نحو تنازلات قاسية، بات التحالف أقرب إلى توازن هش مهدد بالانهيار.
وكشفت تقارير "نيوزيوك" و"نيويورك تايمز" التحولات الأمريكية في طريقة إدارة الملف الأوكراني، حيث ظهر تضارب واضح بين فريق يرى ضرورة مواصلة دعم أوكرانيا كجزء من معادلة الردع الدولي، وآخر يسعى إلى إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن حتى لو جاء ذلك على حساب المصالح الأوكرانية.
أحد أبرز مظاهر الفوضى تمثل في اللجوء إلى قنوات اتصال غير معلنة مع موسكو، بالتوازي مع مسار تفاوضي رسمي يفتقر إلى الزخم.
ورغم وصف بعض اللقاءات السرية بالبنّاءة، إلا أنها لم تحقق اختراقا حقيقيا، خاصة في ملفات الأراضي والضمانات الأمنية، ما عزز الانطباع بأن واشنطن تدير الأزمة بأدوات متعارضة.
في المقابل، شهدت الساحة الدبلوماسية تراجعا لدور بعض المبعوثين الرسميين، مقابل صعود وسطاء غير تقليديين، الأمر الذي أضعف وحدة القرار وأربك الحلفاء، وترك كييف أمام رسائل متناقضة حول حدود الدعم الأمريكي واستمراريته.
ورغم هذا الارتباك، استمر الدعم الاستخباراتي الأمريكي لأوكرانيا بشكل سري، ولا سيما في عمليات استهدفت البنية النفطية الروسية، وكبدت الاقتصاد الروسي خسائر يومية كبيرة.
ويؤكد كامل حواش، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الأوروبية، أن التحالف الأمريكي الأوكراني لا يمر بحالة تفكك كامل، لكنه يعاني ارتباكًا واضحًا نتيجة فوضى الإدارة وتناقض القرارات.
وأشار حواش، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن العلاقة في مراحلها الأولى خلال حكم جو بايدن قامت على دعم عاطفي مباشر لأوكرانيا، وفي نفس الوقت تخضع اليوم لحسابات أكثر براغماتية في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تركز على المصالح أولا.
وأضاف الخبير في الشؤون الأوروبية، أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الخلافات المعلنة، بل في غياب تصور مشترك لنهاية الحرب وشكل التسوية، وهو ما يفتح الباب أمام تصدعات داخل التحالف.
وأردف أن التناقض بين الموقف الأوكراني الرافض لأي تنازل إقليمي، والإصرار الروسي على الاحتفاظ بالمناطق التي سيطرت عليها، يعمّق حالة الارتباك السياسي ويجعل مسار السلام غير واضح.
وأوضح المحلل السياسي، أن شعار "أمريكا أوّلا" يفرض أولوية الملفات الداخلية على حساب الالتزامات الخارجية، بما ينعكس على طبيعة الدعم المقدم لكييف.
ولفت كامل حواش، أن واشنطن باتت تنتظر دورًا أوسع من أوروبا في تحمل أعباء الحرب، في ظل نظرة أمريكية تتسم بالفوقية تجاه الاتحاد الأوروبي في عدد من الملفات، وهو ما يحدُّ من التنسيق الكامل حول أوكرانيا.
وأكد حواش أن اللقاءات السياسية مستمرة، إلا أن غياب اتفاق نهائي حتى الآن يعكس حجم التناقضات داخل التحالف، مشيرًا إلى أن المقاربة الأمريكية الحالية تنطلق من قناعة بأن روسيا لن تتراجع عن الأراضي التي باتت تحت سيطرتها.
من جانبه، أشار نبيل رشوان، المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، إلى أن تعقيد المشهد الحالي يعود إلى تضارب المقاربات السياسية وتعدد المقترحات المتناقضة، وهو ما يعكس حالة من الفوضى داخل إدارة الملف.
وقال، في تصريحات خاصة لـ"إرم نيوز"، إن الخلاف الأساسي يتمحور حول الأرض، خاصة في إقليم دونيتسك، حيث لا تزال مساحات واسعة خارج السيطرة الروسية الكاملة.
وأكد المحلل السياسي أن المقترحات المتداولة، سواء المتعلقة بالانسحاب المتبادل أو إنشاء مناطق منزوعة السلاح، تعكس غياب رؤية موحدة بين الأطراف، لافتا إلى أن بعض الطروحات الأمريكية والروسية تفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة، ما يزيد من هشاشة أي تسوية محتملة.
وأضاف أن الخلاف حول إجراء استفتاء بعد الاتفاق يمثل نقطة صدام رئيسية، في ظل رفض روسي لهذا الطرح، وهو ما يعكس انعدام الثقة في المسار السياسي المقترح.
وأشار الخبير في الشؤون الروسية، إلى التباين الواضح في المواقف بشأن محطة زاباروجيا النووية، حيث فشلت كل الصيغ المطروحة بسبب تضارب المصالح.
وأوضح رشوان أن واشنطن تمارس ضغوطًا سياسية على موسكو، لكنها في الوقت نفسه تحافظ على خطوط تواصل مفتوحة، في ظل حرص الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على تجنب صدام مباشر مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. واعتبر أن التلويح بخيارات عسكرية متقدمة يأتي في إطار الضغط السياسي، لا في إطار قرار نهائي.
وأكد المحلل السياسي أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل تصعيد إعلامي متزامن مع غياب قرار حاسم، ما يعكس حالة ارتباك عام تهدد مستقبل التفاهمات القائمة.