كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية رفيعة المستوى عن اقتراب الاتحاد الأوروبي من اتخاذ قرار تاريخي بتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني تنظيمًا إرهابيًّا.
وأفادت المصادر في تصريحات لـ"إرم نيوز" بأن هذا المسار بات مطروحًا بقوة على طاولة البحث الجدي، بانتظار استكمال ترتيبات قانونية وإجرائية معقدة جرى العمل عليها خلال الأشهر الأخيرة بين كبرى عواصم القارة العجوز.
يأتي ذلك في سياق الضغوط الإسرائيلية المتواصلة على الدول الأوروبية لتصنيف "الحرس الثوري" الإيراني منظمة إرهابية؛ إذ جدد وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، الأسبوع الماضي دعوته لفرنسا وألمانيا لاتخاذ هذه الخطوة. وخلال اتصالاته بمسؤولين في البلدين، شدد ساعر على أن "الحرس الثوري" عمل على مدار عقود على نشر الإرهاب وتقويض الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وخارجها.
وتتهم إسرائيل "الحرس الثوري" بالقيادة المباشرة للنشاطات الإقليمية ضدها، معتبرةً إياه الأداة الأساسية لتنفيذ السياسة الإيرانية خارج حدود البلاد.
وكشف مصدر دبلوماسي ألماني رفيع المستوى عن وجود توافق قوي بين دول الاتحاد الأوروبي بشأن إمكانية تصنيف "الحرس الثوري" الإيراني تنظيمًا إرهابيًّا.
وأوضح المصدر في تصريح لـ"إرم نيوز" أن صدور هذا القرار مرهون باستكمال ترتيبات جرى العمل عليها خلال الأشهر الماضية بين حكومات القارة، وتتضمن تنسيقًا أمنيًّا واستخباراتيًّا مكثفًا لصياغة "لائحة إدانة" متكاملة.
وأشار المصدر إلى أن الملفات التي يتم الاستناد إليها تشمل جرائم الإرهاب، وتهديد الأمن الداخلي، وعمليات التجسس، والجرائم الاقتصادية، وتورط مجموعات تابعة للحرس في أنشطة معادية للسامية؛ وهي عناصر تشكل مجتمعة الأساس القانوني والأمني لقرار التصنيف.
وأضاف أن الإجراءات الحالية، سواء المتمثلة في فرض عقوبات على قيادات تدير خلايا تابعة للحرس داخل إيران وخارجها أو الملاحقات القانونية لجرائم منسوبة لـ"فيلق القدس" باتت تقترب في مضمونها من مفاعيل تصنيف الإرهاب، وذلك لاعتبارات أمنية شاملة يتم فحصها من كافة الزوايا.
وأوضح المصدر الدبلوماسي، أن لمثل هذا القرار في حال إصداره، ارتدادات يجب النظر إلى أبعادها، أولها الأمن الداخلي للدول الأوروبية وما يترتب من إجراءات لذلك، وثانيها تعرض مصالح تلك البلدان في بضع دول من العالم لردود فعل انتقامية من هذه المنظمة، تجاه سواء مؤسسات رسمية أو خاصة أو رعايا مدنيين، فضلًا عن اعتبارات أخرى حاضرة أمام الجهات المعنية، ينظر لها بعناية عند اتخاذ مثل هذه القرارات.
وأشار المصدر إلى تغلغل شبكة واسعة من العناصر المرتبطة بـ"الحرس الثوري" في بضع دول أوروبية، تصدرتها ألمانيا وبريطانيا والنمسا وفرنسا وهولندا. وأوضح أن هذه الشبكة تنقسم إلى بضع فئات، تبدأ بمئات الآلاف من المناصرين المدنيين الذين يعملون في هذه الدول ويقدمون دعمًا ماليًّا لمؤسسات اجتماعية تابعة للتنظيم.
كما كشف المصدر عن وجود عشرات الآلاف من العناصر التي تعمل تحت أغطية متنوعة (دبلوماسية واقتصادية ودينية) وتتلقى أوامرها مباشرة من منظمات "الحرس الثوري"، إضافة إلى مجموعات أخرى تمارس أدوارًا استخباراتية من خلال التخفي في ثوب المعارضة للنظام الإيراني.
ويقول مصدر دبلوماسي في بروكسل، إن أحد أقوى أشكال الوجود المنظم للحرس الثوري خارج الشرق الأوسط، حاضر في الدول الأوروبية، وذلك من خلال مؤسسات تجارية ومالية وشركات يقوم نشاطها على غسيل الأموال وأعمال تزوير بالإضافة إلى إدارة مجموعات لبيع مواد مخدرة، وتم التعامل مع هذه الجرائم عبر شقها الجنائي ولكنها تمثل ثقلًا كبيرًا على الجهات المعنية أمنيًّا وقضائيًّا.
وفي تصريح خاص لـ"إرم نيوز"، كشف المصدر أن عناصر "الحرس الثوري" في أوروبا يخضعون لأعلى مستويات الرقابة القانونية نظرًا لـ"أدوارهم المعلومة" لدى الأجهزة المختصة.
وأوضح أن المقاربة الحالية تعتمد التعامل القانوني كخيار إستراتيجي لتجنب أي ردود فعل قد تهدد أمن الدول الأوروبية، مشيرًا إلى أن الرقابة الأمنية المكثفة تتركز بشكل أساسي على العناصر الوظيفية والقيادية داخل التنظيم، بينما يصعب فرض تتبع أمني شامل على كافة المنتمين المدنيين.
وذكر المصدر الدبلوماسي، أن هناك مجموعات للحرس الثوري من "فيلق القدس"، تقوم بأنشطة تجسس ليس فقط على المعارضة الإيرانية الهاربة المقيمة في بلدان أوروبية ولكن أيضًا على مؤسسات حكومية ومراكز بحثية وجامعات وشركات كبرى، لافتًا إلى أن هناك تعاملًا على أكثر من مستوى أمني واستخباراتي، بفك هذه الخلايا وإبطال مفعول عملها، وذلك بإبعاد العناصر عن مواقع أو خلخلة أدوارهم، وهناك من خضع لمحاكمات أمام القضاء عبر تهم موجهة بالقرائن.
ومن باريس، تقول أستاذة القانون الدولي، جيهان جادو، إنه من حيث الإطار العام، تستطيع دول الاتحاد الأوروبي تصنيف "الحرس الثوري" الإيراني كتنظيم إرهابي لكن الأمر معقد عند التنفيذ من النواحي السياسية والقانونية.
وأوضحت جادو في حديث لـ"إرم نيوز"، أنه من حيث الإطار القانوني في الاتحاد الأوروبي، فإن تصنيف أي جهة كتنظيم إرهابي يتم وفق القائمة الأوروبية للإرهاب، ويشترط القانون الأوروبي وجود قرار قضائي وطني سابق صادر من إحدى دول الاتحاد (محكمة أو سلطة قضائية مختصة) يثبت تورط الجهة في أعمال إرهابية، بعد ذلك يجب إجماع الدول الـ27 داخل مجلس الاتحاد الأوروبي لاعتماد القرار.
وبحسب جادو، فإن من العقبات الرئيسية أن "الحرس الثوري" جزء رسمي من مؤسسات الدولة الإيرانية وليس كيانا غير دولي، وذلك في وقت يتجنب فيه الاتحاد الأوروبي تاريخيًّا، تصنيف مؤسسات دولة أجنبية كمنظمة إرهابية، لأن ذلك يخلق إشكاليات قانونية دبلوماسية، وقد يؤدي ذلك إلى تبعات أمنية خطيرة.
واستكملت جادو أن ما يعوّض القيام بهذا التصنيف، ويكون له جدوى مؤثرة، فرض عقوبات مشددة على قادة في "الحرس الثوري" والوحدات التابعة له وتجميد أصوله بالإضافة إلى حظر السفر، وذلك بسبب ما قام به من قمع للاحتجاجات ودعم الميليشيات المسلحة وانتهاك لحقوق الإنسان.