أعادت التصريحات الأخيرة لمسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس فتح النقاش حول طبيعة العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، بعد أن قالت في مقابلة مع صحيفة "فايننشال تايمز" إن واشنطن "واضحة جداً في رغبتها في تقسيم أوروبا" وإنها "لا تحب الاتحاد الأوروبي".
ويرى الخبراء أن هذه التصريحات جاءت في مرحلة دولية حساسة تتقاطع فيها عدة أزمات استراتيجية، بدءًا من الإرهاق الأوروبي الناتج عن حرب أوكرانيا، وصولًا إلى التوترات الجديدة المرتبطة بالمواجهة العسكرية المباشرة مع إيران، إلى جانب الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على الاتحاد الأوروبي.
ويبدو أن هذا التوقيت جعل تصريحات كالاس تبدو أقرب إلى مؤشر سياسي على تحوّل في المزاج الأوروبي، أو على الأقل إلى بداية نقاش داخل العواصم الأوروبية حول حدود العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، في وقت تتعرض فيه القارة لضغوط أمنية واقتصادية متزايدة.
الانعكاسات الأوروبية للتصعيد مع إيران
من جهتها، تنظر أوروبا إلى التصعيد مع إيران من زاوية اقتصادية وأمنية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة؛ فالتوتر في الخليج والبحر الأحمر يضع طرق إمدادات الطاقة العالمية تحت ضغط متزايد، وهي طرق يعتمد عليها الاقتصاد الأوروبي بشكل مباشر بعد إعادة هيكلة أسواق الطاقة عقب الحرب في أوكرانيا، وأي اضطراب طويل في هذه المسارات ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الصناعية داخل القارة.
كذلك فإنه يُنظر في بروكسل إلى التصعيد العسكري مع إيران باعتباره عاملًا قد يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع، وهذا الاحتمال يثير قلقًا داخل العواصم الأوروبية بسبب انعكاساته المباشرة على أمن الملاحة البحرية وعلى حركة التجارة الدولية، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بموجات اضطراب إقليمي قد تمتد آثارها إلى المتوسط وأوروبا.
كما يعكس التعامل الأوروبي مع الملف الإيراني تباينات داخل الاتحاد نفسه، حيث ترى بعض الحكومات الأوروبية أن التصعيد العسكري مع طهران قد يفتح مرحلة طويلة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، بينما تركز دول أخرى على ضرورة مواجهة البرنامج النووي الإيراني وسياسات طهران الإقليمية، وهذا التباين يظهر داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي حول حدود الانخراط في أي مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة.
إرث حرب أوكرانيا والقلق الأوروبي
تصريحات كالاس جاءت في سياق توتر متصاعد في العلاقات عبر الأطلسي خلال ولاية الرئيس ترامب الثانية، مع استمرار الخلافات حول التجارة والدفاع داخل التحالف الغربي.
كالاس دعت في المقابلة، دول الاتحاد الأوروبي إلى التعامل مع واشنطن بشكل جماعي بدلًا من العلاقات الثنائية المنفردة، معتبرة أن الموقف الأوروبي يصبح أكثر تأثيرًا عندما تتحدث العواصم الأوروبية بصوت واحد.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022، رغم أن الاتحاد الأوروبي اصطف سياسيًا وعسكريًا إلى جانب واشنطن في دعم كييف، فإن الكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب تركت آثارًا عميقة داخل القارة؛ فقد واجهت الدول الأوروبية ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الطاقة، وتباطؤًا اقتصاديًا ملحوظًا، إضافة إلى ضغوط مالية مرتبطة بزيادة الإنفاق العسكري والدعم المالي لأوكرانيا.
ومع انتقال مركز التوتر الدولي تدريجيًا نحو الشرق الأوسط في ظل التصعيد المرتبط بإيران، يتزايد القلق الأوروبي من احتمال الانخراط في دورة جديدة من الأزمات التي قد تفرض على القارة أعباءً إضافية.
سياسات ترامب والضغط على الاتحاد الأوروبي
لا يمكن قراءة تصريحات كالاس بمعزل عن السياسات التي اتبعها الرئيس الأمريكي في ولايته الثانية تجاه الاتحاد الأوروبي؛ فقد أعادت واشنطن خلال الأشهر الأخيرة فتح ملفات تجارية حساسة مع بروكسل، من خلال التحقيقات التجارية الجديدة والتهديد بفرض رسوم جمركية إضافية على شركاء اقتصاديين، من بينهم دول الاتحاد الأوروبي.
كما لم يتردد ترامب في توجيه انتقادات متكررة للاتحاد الأوروبي، واعتباره كيانًا اقتصاديًا يستفيد من الولايات المتحدة أكثر مما يسهم في الشراكة عبر الأطلسي، وترافقت هذه الانتقادات مع توجه أمريكي واضح نحو التعامل الثنائي مع بعض الدول الأوروبية في ملفات التجارة والدفاع، وهو ما تخشاه بروكسل لأنه قد يضعف القدرة التفاوضية الجماعية للاتحاد.
وضمن هذا المسار تحديدًا يمكن فهم تحذير كالاس من أن التعامل مع واشنطن بشكل منفرد قد يضعف الموقف الأوروبي؛ إذ شددت على ضرورة أن تتعامل دول الاتحاد مع الولايات المتحدة بشكل جماعي، معتبرة أن أوروبا تصبح "قوة متساوية" مع واشنطن عندما تتحدث بصوت واحد.
مفارقة الاعتماد الدفاعي
ورغم حدة الانتقادات السياسية التي تضمنتها تصريحات كالاس، فإنها في الوقت نفسه كشفت مفارقة واضحة في العلاقة الأوروبية-الأمريكية؛ فقد أقرّت بأن أوروبا ما زالت بحاجة إلى شراء المعدات العسكرية من الولايات المتحدة لأنها لا تمتلك بعد القدرات الصناعية الكافية لتلبية احتياجاتها الدفاعية.
هذه المفارقة تعكس معضلة استراتيجية تواجه الاتحاد الأوروبي منذ سنوات؛ فمن جهة، تتزايد الدعوات داخل القارة لتعزيز ما يُعرف بـ"الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي"، أي بناء قدرات عسكرية وصناعية مستقلة نسبيًا عن الولايات المتحدة.
لذلك تبدو العلاقة عبر الأطلسي اليوم مركّبة أكثر من أي وقت مضى؛ فهي ليست علاقة خصومة بين حلفاء، لكنها أيضًا لم تعد علاقة انسجام كامل كما كانت خلال مراحل سابقة من تاريخ التحالف الغربي.
بداية نقاش أوروبي جديد
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد حدة المواجهة المباشرة ضد إيران، قد تتحول هذه النقاشات إلى أحد العوامل الأساسية التي ستحدد شكل العلاقة بين بروكسل وواشنطن خلال الفترة المقبلة، في وقت يعيد فيه التحالف الغربي تعريف مصالحه وأولوياته.
في ظل هذه المعادلة المعقدة، تجد أوروبا نفسها أمام مرحلة جديدة من إعادة تقييم موقعها داخل التحالف الغربي؛ إذ أعادت الحرب في أوكرانيا رسم أولويات الأمن الأوروبي، كما أن التصعيد المرتبط بإيران يفتح جبهة توتر إضافية في بيئة دولية مضطربة.
وداخل هذا المشهد تتسع النقاشات في بروكسل والعواصم الأوروبية حول كيفية إدارة العلاقة مع واشنطن في مرحلة تتداخل فيها الملفات العسكرية والاقتصادية والطاقة في وقت واحد.