logo
العالم

"المعركة الصامتة".. كيف كسرت أوكرانيا التفوّق الجوي الروسي؟

الرئيس الأوكراني يزور مصنع مسيراتالمصدر: أ ف ب

مع اقتراب الحرب الروسية الأوكرانية من إتمام عامها الرابع، تبرز الجبهة الجوية كأكثر الساحات خطورة، حيث تحولت الطائرات المسيرة إلى "حرب موازية" كشفت عن فجوة تكنولوجية عميقة بين موسكو وكييف.

ولم تعد هذه المسيرات مجرد سلاح إسناد، بل أصبحت المحرك الأساسي لإعادة تشكيل موازين القوى، من خلال تنفيذ ضربات دقيقة وقدرة هائلة على الإغراق الجوي؛ ما جعل "حرب الدرونز" العامل الأكثر حسمًا في استنزاف القدرات التقليدية للطرفين.

وتشهد أوكرانيا طفرة إنتاجية غير مسبوقة في الطائرات المسيرة، حيث ارتفع الإنتاج من 2.2 مليون وحدة في 2024 إلى 4.5 مليون في 2025، وفق بيانات موقع "UnHerd".

أخبار ذات علاقة

مسيرات أوكرانية.

حرب المستقبل تبدأ في كييف.. كيف تدمج أوكرانيا الذكاء الاصطناعي بدفاعها؟

المسيّرات الذكية

وقبل أيام أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن الطائرات المسيرة الأوكرانية ضربت 35 ألف جندي روسي في ديسمبر/ كانون الأول 2025 وحده، بينما أشار رئيس قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية روبرت ماديار بروفدي إلى أن قواته كانت مسؤولة عن نحو 13 ألف إصابة.

وفي سبتمبر/ أيلول 2025 كشف وزير التحول الرقمي الأوكراني ميخايلو فيدوروف أن وحدات الطائرات المسيرة سجلت أكثر من 18 ألف إصابة لجنود روس، وهو ضعف الرقم قبل عام.

وتخطط القوات الأوكرانية لرفع عدد القوات الروسية المستهدفة إلى 50–60 ألف شهريًا في 2026، وهو ما يعادل تقريبًا نصف الجيش الروسي خلال عام كامل.

تعتمد الثورة الأوكرانية على الذكاء الاصطناعي وأنظمة البيانات الضخمة، حيث يتيح نظام «Delta» تدفقات يومية من الفيديو والصور والصوت والنص لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي في بيئات آمنة، مع إمكانية وصول الشركات الخاصة إلى بيانات تدريب مخصصة دون خروجها من الشبكات الحكومية. 

وشهدت ساحة القتال اعتماد تقنية "السرب" التي استخدمت في أكثر من 100 عملية خلال صيف 2025، مع أسراب تتراوح بين 3 إلى 8 طائرات، وتم اختبار برامج تصل إلى 25 طائرة.

وفي السياق ذاته، دخلت الروبوتات الأرضية الميدان، إذ أعلن الجيش الأوكراني عن نشر طائرة أرضية مسلحة لحماية خط المواجهة لمدة 6 أسابيع.

وحدة "روبيكون"

في المقابل، تكشف الجبهات أن روسيا تتفوق في ضربات المدى المتوسط، حيث تستخدم طائرات "مولنيا" ذات الأجنحة الثابتة إلى جانب موجات من الطائرات الانتحارية الصغيرة، التي تصل إلى 60 كيلومترًا بسرعة 120 كيلومترًا في الساعة. 

وقد ازدادت خسائر المعدات الأوكرانية في 2025 مقارنة بالخسائر الروسية، بحسب "Oryx"، وأكد الجنرال فاليري زالوزني أن فكرة المنطقة الخلفية الآمنة تتلاشى، في إشارة إلى توسع نطاق الهجمات الروسية.

ومن ناحية أخرى، استجابت موسكو بتشكيل وحدة "روبيكون" النخبوية للطائرات المسيرة في أغسطس/ آب 2024، وبلغت 7 وحدات بحلول ربيع 2025، كل منها يضم 130 إلى 150 فردًا.

وتعتمد "روبيكون" على تخصصات تقنية دقيقة، من اعتراض طائرات "FPV" إلى استهداف المشغلين خلف الخطوط؛ ما أدى إلى خسائر كبيرة في مشغلي الطائرات الأوكرانية. 

كما تطور الإنتاج الروسي من طائرات "شاهد" بشكل هائل، بعد صفقة مع إيران، حيث بلغت 6 آلاف وحدة بحلول سبتمبر/ أيلول 2025 مع إنتاج شهري يزيد على 5,500 طائرة وخفض تكلفة الوحدة من 200 ألف دولار في 2022 إلى نحو 70 ألفًا في 2025.

وفي نهاية 2025، بدأت روسيا تجهيز طائرات "مولنيا-2" بأنظمة "ستارلينك" لزيادة مدى الطيران إلى أكثر من 230 كيلومترًا هو ما يوسّع رقعة الاستهداف خلف الخطوط، ويضع أوكرانيا أمام تحدٍّ متصاعد في 2026.

أخبار ذات علاقة

حطاماً جزئياً لمسيرة روسية "جيران-5"

من "شاهد" إلى "جيران-5".. كيف طوّرت روسيا المُسيَّرات الهجومية؟

"الثورة الجوية الأوكرانية"

ويرى الخبراء أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت تحولا جذريا في طبيعة الصراع الجوي، بعدما نجحت الطائرات المسيّرة الأوكرانية في فضح ثغرات بنيوية في منظومات الدفاع الروسية، ونقل المعركة من الجبهات التقليدية إلى عمق الأراضي المستهدفة. 

وأضاف الخبراء في تصريحات لـ«إرم نيوز» أن دمج المسيرات منخفضة التكلفة في العقيدة القتالية الأوكرانية أعاد رسم معادلات التفوق العسكري، حيث لم يعد الحسم مرتبطًا بحجم الترسانة أو كلفة المنصات بل بسرعة الابتكار والإنتاج اللامركزي والقدرة على استنزاف الخصم اقتصاديًّا وعسكريًّا.

ويؤكد الدكتور سعيد سلام، مدير مركز فيجن للدراسات الإستراتيجية في أوكرانيا، أن الحرب الروسية على أوكرانيا لم تعد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى نقطة انعطاف تاريخية في مفاهيم القتال الحديث، مع بروز ما وصفه بـ«الثورة الجوية الأوكرانية».

وفي تصريح لـ«إرم نيوز» قال سلام، إن هذه الثورة كشفت هشاشة جوهرية في القدرات الروسية التي طالما اعتُبرت منيعة، وأعادت تعريف مفاهيم التفوق والسيطرة الجوية في الحروب المعاصرة، خاصة في ظل الاستخدام الذكي للطائرات المسيّرة كأداة قتالية ونفسية في آن واحد.

استراتيجية "الصدمة والرعب"

وأشار سلام إلى أن روسيا اعتمدت في بداية الحرب على عقيدة «الصدمة والرعب» والتفوق الجوي التقليدي، لكنها اصطدمت بإستراتيجية أوكرانية غير متماثلة، اعتمدت على توظيف الطائرات المسيرة، وعلى رأسها «بيرقدار TB2»، التي نجحت في استهداف قوافل الدروع الروسية وكشف فجوات خطيرة في التنسيق والجاهزية والدفاع الجوي التكتيكي.

وأوضح مدير مركز فيجن أن أوكرانيا طوّرت لاحقًا منظومة صناعية لامركزية قادرة على إنتاج أعداد ضخمة من المسيّرات، شملت مسيرات "FPV" منخفضة التكلفة، وأخرى استطلاعية وانتحارية بعيدة المدى، لتصبح هذه المنظومة العمود الفقري لقدرتها القتالية.

ولفت إلى أن هذا التحول أحدث «دمقرطة» للقوة الجوية، إذ بات التأثير في عمق أراضي الخصم ممكنًا عبر تكنولوجيا منخفضة التكلفة؛ ما نقل المعركة إلى الداخل الروسي وأضعف البنية الاقتصادية والعسكرية للحرب.

وأكد د. سعيد سلام، أن السباق المتسارع في تطوير المسيرات يرسم ملامح حروب المستقبل، حيث لم يعد التفوق مرتبطًا بالمنصات الأغلى بل بالابتكار السريع والإنتاج المرن، مع تراجع الفاصل بين الجبهة والعمق الإستراتيجي، وبروز ما وصفه ببدايات «الحرب الخوارزمية» المعتمدة على الذكاء الاصطناعي واتخاذ القرار شبه المستقل.

أخبار ذات علاقة

جنديان أوكرانيان يستعدان لإطلاق طائرة مسيرة

مشاهد تحبس الأنفاس.. هكذا تلاحق المسيرات الأوكرانية الجنود الروس على الجبهات

تحول جوهري

من جانبه، قال العميد نضال زهوي، الخبير العسكري، إن ما يُعرف بالثورة الجوية الأوكرانية يمثل تحولا جوهريا في مفهوم استخدام الطائرات المسيرة، وليس مجرد تطور تكتيكي مؤقت. 

وأضاف الخبير العسكري في تصريحات لـ«إرم نيوز» أن خطورة هذه المسيرات تكمن في قدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة جدًّا، وتجعل اكتشافها عبر الرادارات التقليدية بالغ الصعوبة، هو ما خلق معضلة حقيقية أمام أنظمة الدفاع الجوي ليس فقط في روسيا، بل لدى جيوش كبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأشار العميد زهوي إلى أن الوقائع الميدانية أثبتت قدرة المسيرات الأوكرانية على ضرب العمق الروسي واستهداف القواعد الجوية والمنشآت الحساسة.

وتابع: "المسيرات منخفضة التكلفة نجحت في استنزاف منظومات دفاع جوي باهظة الثمن، عبر إجبارها على استخدام صواريخ مكلفة لاعتراض أهداف رخيصة نسبيًّا".

استنزاف طويل الأمد

وأوضح العميد زهوي، أن روسيا حاولت مواجهة هذا التحدي عبر التشويش الإلكتروني، وتطوير مسيرات محلية منخفضة التكلفة، وتعزيز الدفاعات قصيرة المدى، إلا أن هذه الإجراءات لم تنجح حتى الآن في تحييد التهديد بشكل كامل. 

وأشار إلى أن السبب الجوهري يعود إلى أن أوكرانيا دمجت المسيرات في صميم عقيدتها القتالية الجديدة، محوّلة إياها إلى أداة حرب مرنة، منخفضة الكلفة، وقادرة على التأثير في أعمق النقاط الإستراتيجية.

واستطرد قائلًا: "هذا النمط من الحرب يفرض على الجيوش الكبرى إعادة النظر في توزيع منظومات الدفاع الجوي، والانتقال من الاعتماد على الشبكات الثقيلة والمركزية إلى حلول أكثر مرونة، قادرة على الاستجابة السريعة والانتشار الواسع".

وأوضح الخبير العسكري، أن التأخر في استيعاب هذا التحول قد يضع أي قوة عسكرية أمام استنزاف طويل الأمد، حتى وإن امتلكت تفوقا تقليديا في مجالات أخرى.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC