حتى اليوم العاشر من الحرب، لا تبدو المشكلة الأساسية في الصواريخ الإيرانية هي تناقص العدد فقط، بل فقدان الدقة في المرحلة الحاسمة من الطيران.
فبينما تواصل طهران الحديث عن صواريخ "دقيقة وفعالة"، تشير تقديرات مراكز أبحاث وتقارير عسكرية غربية وإسرائيلية إلى أن جزءاً مهماً من المشكلة يعود إلى إعماء الصواريخ أو إرباكها إلكترونياً، بالتوازي مع الضربات الاستباقية التي استهدفت منصات الإطلاق والبنية الصاروخية.
فقد أكد مشروع التهديدات الحرجة التابع لـمعهد "أميركان إنتربرايز" أن وتيرة الهجمات الصاروخية الإيرانية انخفضت بنحو 90% منذ بداية الحملة، فيما قدّر الجيش الإسرائيلي بقاء نحو 100 إلى 200 منصة إطلاق فقط بعد استهداف مئات الأهداف الصاروخية داخل إيران.
*كيف يحصل "إعماء" الصواريخ؟
الآلية الأكثر تداولاً في التقارير التقنية تقوم على استهداف نظام الملاحة بالأقمار الصناعية الذي تعتمد عليه كثير من الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى جانب نظام القصور الذاتي. وإذا فقد الصاروخ إشارة GPS أو GNSS، فإنه يواصل الطيران اعتماداً على القصور الذاتي فقط، لكن هذا النظام يراكم الخطأ كلما زادت المسافة، فتتراجع الدقة بصورة ملحوظة عند الاقتراب من الهدف.
وقد أوضح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن أي صاروخ لا يملك توجيهاً نهائياً فعالاً أو ملاحة فضائية مستقرة تبقى دقته الحقيقية محدودة في أرض المعركة.
التشويش هنا له شكلان رئيسيان وفقا للتقارير التقنية: الأول التشويش الإلكتروني الذي يمنع استقبال الإشارة، والثاني التضليل الإلكتروني الذي يبث إشارات مزيفة تجعل نظام الملاحة يعتقد أن الصاروخ في موقع مختلف.
وتشرح التقارير أن هذه الوسائل تُستخدم لتعطيل توجيه الصواريخ أو الطائرات المسيّرة وإرباكها في المرحلة النهائية من الطيران.
* ما الأنظمة التي تستخدمها واشنطن وتل أبيب؟
تشير التقارير إلى أن ثمة بيئة حرب إلكترونية كثيفة فوق مسارح العمليات تشمل تشويشاً واسعاً على إشارات الملاحة والاتصالات. فقد وثّقت شركات تتبع الملاحة مثل ويندوورد وGPS Jam ارتفاعاً كبيراً في عمليات التشويش على إشارات GPS في الشرق الأوسط منذ اندلاع الحرب، مع تسجيل حالات تضليل ملاحي جعلت سفناً تظهر إلكترونياً داخل المطارات أو فوق اليابسة.
وفي الجانب العسكري، يعمل هذا التشويش إلى جانب شبكة الدفاع الجوي المتعددة الطبقات التي تضم القبة الحديدية ومقلاع داود ومنظومة آرو إضافة إلى أنظمة أمريكية مثل ثاد، بحيث يواجه الصاروخ الإيراني ثلاث مراحل من التحدي: الحفاظ على الملاحة الصحيحة، تجاوز التشويش الإلكتروني، ثم النجاة من الاعتراض الصاروخي.
* هل تستطيع إيران معالجة الإعماء؟
نظرياً، يقول خبراء إنه يمكن لإيران تقليل تأثير التشويش عبر تحسين أنظمة القصور الذاتي أو إضافة باحث توجيه نهائي في المرحلة الأخيرة من الطيران، أو استخدام أنظمة ملاحة متعددة لا تعتمد فقط على GPS. لكن المعطيات الميدانية تشير إلى أن هذه الحلول لم تُطبق على نطاق واسع بعد.
وفي هذا السياق يقول الخبير العسكري كمال الجفا إن تراجع فعالية الضربات الإيرانية لا يرتبط فقط بتدمير منصات الإطلاق، بل أيضاً بالحرب الإلكترونية التي تؤثر في دقة الصواريخ. ويشير الجفا في تعليق لإرم نيوز، إلى أن الصاروخ قد يصل إلى المجال الجوي للهدف لكنه يفقد دقته عندما تتعرض أنظمة التوجيه للتشويش أو التضليل الإلكتروني.
ويلخص الجفا ما يجري اليوم في هذه الحرب بأنه "لا يتعلق فقط بعدد الصواريخ أو قوتها التفجيرية، بل بقدرة كل طرف على السيطرة على المجال الإلكتروني والملاحي" .
ويضيف: الصاروخ الذي يفقد إشارته أو يُضلل مساره قد يصل إلى هدفه "أعمى" ، وهو ما يجعل الحرب الحالية، إلى جانب كونها حرب صواريخ، حرباً متقدمة على الإشارات والأنظمة الإلكترونية.