كان لافتا ذلك الاستثناء الذي أقدم عليه عمدة نيويورك الجديد زهران ممداني عندما اختار أن يؤدي القسم أمام السيناتور الديمقراطي التقدمي بيرني ساندرز بكل ما يحمله ذلك من رسائل سياسية للعاصمة واشنطن وللقيادات التقليدية في الحزب الديمقراطي وبقية البلاد.
يقول قادة ديمقراطيون إن هذا الاختيار يشير إلى أن توجه ممداني في طريقة إدارته لأكبر المدن الأمريكية سوف يكون كما وعد بذلك خلال حملته الانتخابية؛ أي أنه سيكون العمدة الذي يدير شؤون المدينة برؤية الديمقراطي الاشتراكي.
هذه الرؤية وحدها كافية لإثارة موجة الجدل داخل الحزب الديمقراطي المنقسم على نفسه في عدد من القضايا. ولم يكن الأمر بحاجة إلى إثارة جدل إضافي أو حتى ربما أزمة جديدة، بحسب ما يرى الديمقراطيون.
من حيث الشكل يوضح هولاء القادة لـ"إرم نيوز"، أن ممداني أظهر رغبة صريحة في تجاوز القيادة التقليدية للديمقراطيين في العاصمة واشنطن وفي مدينته نيويورك، حيث اختار أن يتجاوز الزعيمين الديمقراطيين الحاليين في الكونغرس وكلاهما يمثل مدينته نيويورك.
الأمر هنا يتعلق بزعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ شاك شومر، والزعيم الآخر للأقلية الديمقراطية في مجلس النواب حكيم جيفريز.
واختيار سيناتور ولاية فيرمونت ساندرز وفي هذا التوقيت من وجهة نظر أعضاء الفريق الانتقالي لممداني كما أوضحوا لـ"إرم نيوز"، يجسد الالتزام الشخصي لممداني تجاه ساندرز؛ لأن سيناتور فيرمونت هو الوحيد من بين القيادات التقليدية للحزب الديمقراطي الذي اختار أن يقف إلى صف ممداني في وقت مبكر من عمر حملته الانتخابية واستمر في دعمه بدءا من لحظة إعلان ترشحه مرورا بالانتخابات التمهيدية وصولا إلى الانتخابات العامة.
ساندرز، من وجهة نظر مقربين من ممداني، يمثل تلك المدرسة السياسية التي يراها ممداني، قادرة على تحقيق مطالب الأمريكيين في المرحلة الحالية باعتماد المزيد من الضرائب على أثرياء نيويورك مقابل تخفيض تكاليف الحياة على محدودي الدخل من سكانها.
لن يكون طريق ممداني طريقا سهلا في سبيل جعل هذه السياسة أمراً واقعا في مدينة باتت فيها الفوارق الاجتماعية واضحة إلى حد لم يعد يمكن السيطرة عليه؛ لأنه سوف يواجه الكثير من قوى الضغط المؤثرة وكذلك الإرث الطويل الذي خلفه أسلافه.
يقول مقربون من ممداني إنه اختار خطوات محددة ليومه الأول في منصبه الجديد، أولها إلغاء المراسيم التي أقامها سلفه الديمقراطي أريك آدامز، أما الثانية فالإعلان عن زيادة الضرائب بنسبة 2% على الذين يزيد دخلهم على مليون دولار من سكان المدينة، والثالثة التوجه إلى "وحدات تجمعات المستأجرين"، الذين عجزوا عن دفع الزيادات المفروضة عليهم في الإيجار، في حركة تضامنية برسالة سياسية محددة واضحة لكافة أهل نيويورك الأثرياء منهم ومحدودي الدخل.
يقول قيادي جمهوري لـ"إرم نيوز"، إن خيارات وسياسات ممداني حددت مسار الحملة الانتخابية لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر المقبل وذلك بجعل مسألة الغلاء وارتفاع تكاليف الحياة أهم ركائزها.
نجح ممداني في الفوز على جميع منافسيه في انتخابات نوفمبر الماضي من الديمقراطيين والجمهوريين عندما جعل أزمة الغلاء في صلب حملته الانتخابية. وهو بذلك وضع الإنجاز الاقتصادي للرئيس ترامب في عامه الأول أمام حالة اختبار قاسية؛ لأن التصويت الجماعي لسكان نيويورك لصالح ممداني كان تصويتا محمّلا برسالة سياسية للرئيس ترامب والحزب الجمهوري الحريص في كل مناسبة على التأكيد على أن الاقتصاد جيد لكن الأسعار لاتزال مرتفعة.
القادة الجمهوريون أنفسهم يعترفون في حديثهم أن هناك أزمة داخلية حول نوعية الرسالة التي يفضل الاعتماد عليها في انتخابات نوفمبر، وفيما إذا كان سيكون من مصلحة الحزب اعتماد خطاب ترامب، بأن هناك عوائد كبيرة سوف تظهر في المستقبل القريب نتيجة لسياسات الرسوم الجمركية التي جعلها ترامب مركز سياساته الاقتصادية في عامه الأول في البيت الأبيض.
أما الخيار الآخر من وجهة نظر الجمهوريين هو النأي بأنفسهم عن خطاب ترامب وحجته الاقتصادية والانحياز إلى دعم خطابات معاناة الأمريكيين وحاجة الإدارة والكونغرس إلى اتخاذ خطوات أكثر فعالية في معالجة أزمة الغلاء التي اجتاحت البلاد.
والتوجه إلى أزمة الغلاء بدأ يتعزز بمرور الوقت داخل مبنى الكابيتول وظهر جليا عندما اختار ثمانية من النواب الجمهوريين إعلان دمج جهودهم مع الديمقراطيين في الأسبوعين الأخيرين من العام الماضي لأجل التوصل إلى تشريع مشترك يسمح لهم بإنقاذ ما لا يقل عن 20 مليون أمريكي ممن فقدوا التأمين الصحي المدعوم من الحكومة الفيدرالية مع حلول العام الجديد.
في الجانب الديمقراطي لا يبدو الوضع أفضل مما عليه لدى غرمائهم الجمهوريين؛ إذ يعترف قادة ديمقراطيون أن طرح ممداني منذ ظهوره على الساحة السياسية أدى إلى انقسام في القيادة الديمقراطية بشأن سياسات حملة انتخابات نوفمبر القادمة؛ إذ لا يزال الجناح التقليدي في الحزب الذي يتزعمه تشاك شومر في الكونغرس متمسكا بدعم التوجه الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي، ما قد يكون مضرا في مسار الديمقراطيين في انتخابات نوفمبر المقبلة.
ويقول ديمقراطيون لإرم نيوز إنه بناء على هذا "لا يبدو غريبا أن شومر وحتى الآن لم يُظهر أي تأييد علني لعمدة نيويورك الجديد".
فقد اختار شومر أن يقف موقف الحياد منذ ظهور ممداني على الساحة السياسية لنيويورك، وبرر ذلك بأنه "لا يزال بحاجة إلى مزيد من الوقت لحسم موقفه تجاهه وتجاه سياساته".
في مقابل ذلك، هناك جناح كامل من النواب الديمقراطيين بزعامة النائبة الديمقراطية التقدمية عن ولاية نيويورك الكسندرا كورتيز يدعو إلى إنهاء هيمنة القيادة التقليدية للحزب، والتي باتت تعطل أي تقدم سياسي وشعبي للديمقراطيين بين الأمريكيين وفسح الطريق أمام جيل جديد من القيادات الجديدة من الشباب الديمقراطيين القادرين على إعادة إحياء حظوظ الحزب في الاقتراب من الطبقة العاملة وإنهاء موجة ترامب السياسية في البلاد وحركته "ماغا" (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى).
يقول نواب من الجناح الديمقراطي لـ"إرم نيوز" إن توجه القيادة التقليدية إلى اعتماد خطاب معاداة سياسات ترامب سوف يعطل حظوظ الحزب مرة أخرى، وذلك بناء على التجارب السابقة.
ويرى هؤلاء أن الحزب خسر في مناسبات عدة، بسبب اعتماده على خطابات رافضة لتوجهات ترامب السياسية والاقتصادية، وثبت أن ذلك لا يحقق الهدف المنشود، وحان الوقت لإعادة النظر في مسار الديمقراطيين.
وخلافا للقيادة التقليدية، أكد النواب أن سياسة ممداني أثبتت أنها قادرة على الاكتساح انتخابيا وشعبيا، بعد أن حقق نجاحا في نوفمبر الماضي في انتخابات ولايات الساحل الشرقي فرجينيا ونيوغيرسي ونيويورك، وعلى الحزب أن يتبع هذا النموذج في انتخابات نوفمبر المقبلة.