logo
العالم

كيف استثمرت بكين "الغموض الأمريكي" تجاه كاراكاس؟

ميناء "بويرتو كابيلو" النفطي في فنزويلاالمصدر: رويترز

في تحدٍ علني ومباشر لسياسة "تطويق الكاريبي"، تواصل ناقلات نفط صينية مسارها نحو السواحل الفنزويلية، ضاربةً عرض الحائط بالحصار الاقتصادي والعسكري الذي تفرضه واشنطن على نظام الرئيس نيكولاس مادورو.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك البحري يعكس استراتيجية صينية أعمق تستغل "الغموض الأمريكي" في المنطقة؛ إذ تشير التقديرات إلى أن بكين لن تسمح بانهيار النظام في كاراكاس قبل ضمان استرداد ديونها الضخمة التي تناهز 20 مليار دولار.

وفي تقرير صادر عن "لويدز ليست"، فإنّ ناقلات النفط الصينية تواصل حاليا رحلاتها المرتبطة بفنزويلا، حيث تبحر ناقلتان عملاقتان ترفعان العلم الصيني بالقرب من المياه الفنزويلية، ومن المقرر أن تصل الناقلة "ثاوزند ساني" في منتصف يناير/ كانون الأول 2026، بينما تنتظر الناقلة "شينغ يي" قبالة "غويانا" الفرنسية. 

ويمثل استمرار تدفق السفن النفطية الصينية على السواحل الفنزويلية امتدادا للدعم الدبلوماسي الصيني لفنزويلا ضدّ التصعيد العسكري الأمريكي في منطقة الكاريبي حيث قال ممثل الصين في الأمم المتحدة سون لي في وقت سابق: إنّ تصرّفات الولايات المتحدة تؤدي إلى استمرار التوترات في المنطقة ونحن ندعو إلى وقف الإجراءات وتهدئة الموقف.

وأضاف، "أنّ الصين تعارض كل أعمال الترهيب وتدعم جميع الدول في الدفاع عن سيادتها وكرامتها الوطنية".

أخبار ذات علاقة

ناقلة النفط "نيو أوديسي" في ميناء تشينغداو الصيني

"استراتيجية التهرب".. ناقلات نفط صينية تتحدى العقوبات الأمريكية على فنزويلا

الصين تستغل "الإحجام والإقدام"

يبدو أنّ بكين بدأت في توظيف مشهد "التردد" الأمريكي بين "الإقدام والإحجام" في اعتماد الخيار العسكري ضدّ فنزويلا، والاكتفاء في المقابل بتوجيه ضربات عسكرية جراحية للسفن التي تتهمها واشنطن بالضلوع في تجارة المخدرات، مع إحكام الحصار البحري على المنافذ البحرية الفنزويلية.

وتشير التقديرات السياسية في بكين، إلى أنّ واشنطن لم تحسم بعد خيارها العسكري ضدّ نظام الرئيس نيكولاس مادورو، وأنّها أقرب إلى سياسة التطويق والتجويع والتضييق على البلاد والعباد، منها إلى أية سياسة عسكرية مباشرة، حيث ترى إدارة ترامب أن الحصار قادر على إسقاط النّظام الذي يعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية جمّة، ويعيش أزمة شرعية انتخابية حقيقية.

وتضيف التقديرات الصينية أنّه بفضل هذه "الرّمادية العسكرية الأمريكية"، تكسب كاراكاس نقاطا إيجابية في مشهد "المقاومة والصمود"، فكلما زاد زمن الحصار اكتسب نظام مادورو شرعية سياسية كان يفتقدها قبل التصعيد الأمريكي، ويقدم في المقابل صورة ونموذج "النظام الصامد" لباقي الأنظمة اللاتينية التي تعتبرها واشنطن متمردة على إرادتها، وهي بالأساس كوبا ونيكاراغوا.

وكلما قلبّت واشنطن سياساتها بين إحجام وإقدام، وجدت بكين منافذ للدخول وهوامش للانخراط، فشواهد السياسة الصينية تؤكد أنّ بكين لا تتحدى الإقدام العسكري الأمريكي الواضح، ولكنها في المقابل لا تتردد في الانخراط في جغرافيا الغياب والإحجام الأمريكيين.

حليف استراتيجي ولكن شديد الخطورة 

في هذا السياق الاستراتيجي، يؤكد الخبراء والمتابعون للعلاقات الفنزويلية الصينية، أنّ إفادة بكين لسفن الشحن والنقل النفطي للسواحل الفنزويلية، تؤكد أنّها ليست في وارد التخلي عن كاراكاس، التي سبق وأن صنفته كـ"حليف استراتيجي شديد الخطورة".

وتتقاطع الدراسات الاستراتيجية ذات الصلة، أنّ فنزويلا بالنسبة للصين، ليست بالعمق الاستراتيجي ولا بالأمن القومي الصيني وليست أيضا بخط من خطوط الدفاع الاولى عن سور الصين العظيم، ولكنّها في المقابل دولة ذات أهمية في منطقة في غاية الاستراتيجية تمثل "الخاصرة الرخوة" لواشنطن.

في المقابل، تشير الأبحاث إلى أنّ الصين بالنسبة لفنزويلا تعتبر دولة عمق استراتيجي، وحليفا نادرا، ومقوما من مقومات الصمود والاستمرار.

ويعزى تصنيف بكين لكاراكاس بـ"الحليف شديد الخطورة"، إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الهيكلية، وحجم الفساد الذي ينخر المؤسسات الرسمية، وغياب التوافق السياسي في البلاد، والأهم من كل ما سبق التهديدات الإقليمية والدولية التي تحيق بالنظام في ظل شبه عزلة ضمن المجال اللاتيني أصلا، والصعوبة التي يجدها النظام في تسديد الديون الصينية. 

ووفقا للمراقبين، فإنّ هذا التحفظ والاستدراك لم يتحول إلى انسحاب صيني من الفضاء الفنزويلي، حيث سعت بكين إلى استثمار وجود حليف لها في منطقة تعتبر الحديقة الخلفية لواشنطن.

أخبار ذات علاقة

 المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان

انتهاك للقانون الدولي.. الصين تنتقد مصادرة أمريكا لناقلات النفط قبالة فنزويلا

بعدان أساسيان

وفي تفسيرهم وتفكيكهم لاستمرار ناقلات النفط الصينية في التوجه إلى السواحل الفنزويلية، يرى المراقبون انّ بكين تتعاطى مع الملف الفنزويلي وفق بعدين أساسين، الأول بُعد نفطي اقتصادي، والثاني رقمي تكنولوجي.

فيما يخص البعد النفطي، فإنّ النفط الفنزويلي يمثل رافدا معتبرا من روافد الاستهلاك المحلي الصيني، حيث تقدر الواردات النفطية من فنزويلا بنحو 400 ألف برميل يوميا، من جملة 16 مليون برميل تمثل الاستهلاك اليومي الصيني.

كما يتميز هذا النفط بميزة "الثقل" و"انخفاض السعر"، عن غيره من بترول البلدان التي تورد منها الصين، وهي ميزة اقتصادية لا تريد الصين فقدانها، خاصة وأنها أنشأت معامل خاصة بتكرير النفط الفنزويلي وخلطته بغيره من النفط المورد؛ ما مكنها من "صناعة" نفط صيني مبتكر يجمع بين ميزات متنوعة.

النقطة الثانية المتصلة بالنفط الفنزويلي، تكمن في صهره ودمجه ضمن منظومة استرداد الديون الصينية المتراكمة على كاراكاس، التي تؤكد مصادر اقتصادية عديدة أنها تتجاوز حاليا الـ20 مليار دولار. 

وتشير الجهات المالية المطلعة إلى أنّ الديون الصينية لكاراكاس بلغت في 2017، سقف الـ67 مليار دولار، وأنّ البلدين اتفقا على منظومة "النفط مقابل الديون"، ومنذ عقد تقريبا والصين تسترد ديونها من النفط المتدفق عليها، ويبدو أنّ تغطية الدين الصيني تقتضي تجاوز سقف 2030 بسنوات غير قليلة.

الصين تهيمن على المجال الرقمي

الأهمية المعتبرة التي تحظى بها كاراكاس لدى بكين، تتكرّس أيضا من خلال المكانة المتقدّمة والاستثنائية التي تتمتع بها الشركات التقنية الصينية في فنزويلا، وهي مكانة استراتيجية قلّ أن تتوفر لدى أية شركة أجنبية في أيّة دولة في العالم.

فقد ساعدت شركات تكنولوجية مثل ZTE في بناء وتشغيل نظام "بطاقة الوطن"، (نظام رقمي لتوزيع الإعانات الحكومية) الذي يمنح كاراكاس ميزة رقمنة المعطيات الشخصية؛ ما يمكنها من المراقبة الاجتماعية والتحكم في توزيع السلع الغذائية والمساعدات الاجتماعية والخدمات، وييسر تأمين الوظيفة المجتمعية للنظام، ويقلل نسبيا من حدّة التوترات الاجتماعية.

كما تستثمر شركات مثل ZTE وHuawei، في تطوير شبكات الجيل الرابع والبنية التحتية للجيل الخامس في فنزويلا، وهي أمور منحت الصين تقريبا سيطرة تكنولوجية ورقمية كاملة في فنزويلا التي باتت تعتبر محطة أساسية وحيوية في مسار "طريق الحرير الرقمي".

أخبار ذات علاقة

ناقلة النفط "إيفانا" ترسو في ميناء إل باليتو في بويرتو كابيلو بفنزويلا

"حرب صامتة".. مصادرات أمريكا لناقلات النفط الفنزويلية تُغضب الصين (فيديو إرم)

رهان فنزويلي كامل على الصين

ولئن كان الرهان الصيني على فنزويلا منحصرا تقريبا في البعدين السابقين، فإنّ الرهان الفنزويلي على الصين، له أبعاد عديدة، فكاراكاس تعول على الصين بشكل شبه تام في توفير المعدات العسكرية اللوجستية وفي مدها بالسفن الدورية وبمعدات الاتصالات وتنظيم برامج التدريب المتبادلة بين جيشي البلدين. كما أنّ السوق الفنزويلية شبه مرتهنة للواردات الصينية من السلع الاستهلاكية وقطع الغيار ومعدات الاتصالات.

أمّا بالنسبة للصادرات النفطية الفنزويلية فإنّ نحو 40% من المنتوج اليومي، يتجه من الموانئ الفنزويلية نحو الموانئ الصينية، وهو الأمر الذي يفسر استثمار الصين في تطوير البنية التحتية للموانئ والمرافئ دون غيرها من المباني والتشييدات. 

على وقع هذه المشهدية، يتجلى التوافق بين بكين وكاراكاس كحائط صد أمام الضغوط الخارجية. ويبدو أن واشنطن، الواعية تماماً لهذه الحسابات، تفضل سياسة الحذر وتجنب التصعيد العسكري الذي قد يمس بالمصالح الصينية الاستراتيجية، تفادياً لإثارة غضب التنين الصيني في ملف فنزويلا الشائك.

ولا يعني هذا أبدا، أنّ الفيتو الصيني قد يتحول إلى فعل عسكري مباشر ضدّ واشنطن، فهذا أمر مبالغ فيه، ولكن الأكيد أنّ إسقاط واشنطن لنظام نيكولاس مادورو – في حال ما توافقت الإدارة السياسية لصقور البيت الأبيض مع حسابات جنرالات البنتاغون- لا بد أن يمر بتصفية ديون بكين في كاراكاس.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC