دخلت العملية السياسية في العراق مرحلة شديدة التعقيد، بعد الموقف الأمريكي الصريح الرافض لعودة زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة الجديدة، وهو موقف كسر الأعراف الدبلوماسية التقليدية، وفرَضَ إيقاعًا جديدًا على مسار تشكيل السلطة في البلاد.
وفي تغريدة نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصة "تروث سوشال"، وصف إعادة المالكي إلى المنصب بأنها "خيار سيئ للغاية"، محذرًا من أن الولايات المتحدة لن تساعد العراق في حال عودته، ومذكّرًا بفترة حكمه بين عامي 2006 و2014، والتي قال إنها قادت البلاد إلى الفقر والفوضى، قبل أن يختم منشوره بعبارة "اجعل العراق عظيمًا مرة أخرى".
وهذا الموقف الأمريكي، الذي ترافق مع تلويحات بعقوبات قد تَطال الدولة العراقية ومؤسساتها، أعاد خلط الأوراق داخل بغداد، وفرَضَ اختبارًا قاسيًا على الائتلاف الحاكم، "الإطار التنسيقي" لا يتعلق فقط بهوية رئيس الحكومة المقبلة، بل يمتد إلى مستقبل العلاقة مع واشنطن، ومصير التوازنات السياسية الهشة أصلاً داخل النظام السياسي.
ومع تصاعد هذا الاشتباك السياسي، بدأ شبح عودة الأزمات القديمة يلوح في الأفق، وسط مخاوف من إعادة إنتاج مشكلات أمنية وسياسية عاشها العراق في مراحل سابقة، بعد سنوات من هدوء نسبي، وتحقيق تقدم اقتصادي وتخلخل الأزمات المتراكمة منذ عقود.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى المالكي بوصفه مرشحًا تصادميًّا، دخل في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية الحالية، وأصرّ على المضي بترشيحه رغم المطالب الشعبية والسياسية الداعية إلى العدول عن هذا الخيار، تفاديًا لمزيد من التأزيم.
وهذا الإصرار، بحسب تقديرات سياسية، لم يقتصر على تحدي الموقف الأمريكي، بل وضع الإطار التنسيقي برمته أمام معادلة صعبة، بين التمسك بمرشح مثير للجدل، أو البحث عن بديل قادر على تخفيف حدة الضغوط الخارجية واحتواء الاحتقان الداخلي.
وبدوره، قال رئيس مركز الإعلام العراقي في واشنطن نزار حيدر لـ"إرم نيوز"، إن "الإطار التنسيقي إذا لم يُحسن خياراته ولم يبحث عن بديل، فإن السلطة نفسها قد تذهب من يده، والمنطقة كلها تقف على شفا جرف، ولا يجوز الاستخفاف بالتحذيرات مهما كان مصدرها"
وأضاف أن "المالكي ليس بجديدٍ على هذا المسار، فقد تآمر سابقًا مع الأمريكيين على شخصيات كان عليها إجماع سياسي، مثل استبدال إبراهيم الجعفري عام 2006، وكذلك ما جرى بعد انتخابات 2010 عندما كان هناك إجماع على إياد علاوي".
وأشار حيدر إلى أن "ترامب يختلف عن كل الرؤساء الأمريكيين بطريقته ووسائله وأدواته وأسلوبه، وهذا أمر طبيعي، وليست هذه المرة الأولى التي يتعامل فيها مع دولة ذات سيادة بهذه الطريقة، فقد رأيناه كيف تعامل مع أوروبا وفنزويلا وكندا وغيرها".
في مقابل الانتقادات، يروّج أعضاء في ائتلاف دولة القانون لفكرة أن المالكي لم يعد الرجل ذاته الذي حكم البلاد حتى عام 2014، وأن تجربته السياسية شهدت مراجعات، وأنه بات أكثر مرونة في التعاطي مع الأزمات.
غير أن تغريدة ترامب الأخيرة، وما تبعها من تصلب في موقف المالكي، أعادت تكريس صورة مغايرة لدى خصومه، الذين يرون أن نمط التعاطي التصادمي لا يزال حاضرًا، وأن الرهان على تغير جذري في أسلوب إدارة الملفات الكبرى يبقى موضع شك واسع، ولا ينبغي المغامرة في منحه السلطة مرة أخرى.
وتزامنًا مع هذا السجال، تعاني العملية السياسية العراقية انسدادًا واضحًا، انعكس مباشرة على ملف اختيار رئيس الجمهورية، حيث باتت التوافقات مترابطة بشكل عضوي، وأيّ تعثر في مسار رئاسة الحكومة ينعكس على بقية الاستحقاقات.
كما اتسعت الهوة داخل الإطار التنسيقي نفسه، بين قوى مؤيدة للمضي بترشيح المالكي، وأخرى ترى أن الكلفة السياسية والاقتصادية لهذا الخيار باتت مرتفعة، في ظل ضغوط دولية متزايدة، ومخاوف من عزل العراق أو إدخاله في دوامة صراع أوسع
وأثارت تغريدة ترامب، مقرونة بتصلب المالكي، ردود فعل في الشارع العراقي، حيث حفزت جماعات وفعاليات مناهضة للولايات المتحدة ومؤيدة لإيران، لتصعيد خطابها، وتنظيم تحركات احتجاجية عبَّرت عن رفضها لِما وصفته بالتدخل الأمريكي في الشأن العراقي.
وفي هذا السياق، رُصدت تحركات لفصائل مسلحة أعلنت فتح باب التطوع لـ"مساعدة إيران"، في خطوة رأى فيها مراقبون رسائل ضغط موجهة إلى واشنطن، وانتقامًا سياسيًّا من مواقفها، مع حديث عن دفع من أطراف لها ارتباطات سياسية داخلية.
من جانبه، أوضح الباحث في الشأن السياسي عماد محمد لـ"إرم نيوز" أن "تغريدة ترامب لم تكن مجرد موقف إعلامي، بل رسالة سياسية مباشرة بأن العراق بات جزءًا من معادلة ضغط أوسع، وأن الإصرار على خيارات تصادمية سيعيد البلاد إلى دائرة الاستقطاب الحاد".
وأضاف أن "التفاعل الشعبي والأمني مع هذه التطورات يؤكد اختلال التوازن الداخلي، ويؤكد أن الخلاف السياسي في اختيار السلطات قد يمتد سريعًا إلى الشارع، ويُستثمر من قبل قوى مسلحة تبحث عن تثبيت نفوذها في لحظة شديدة الاضطراب".