يعود معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر إلى العمل لأول مرة منذ نحو عام، بعد إغلاقه من قبل السلطات الإسرائيلية التي تسيطر على مدينة رفح أقصى جنوبي القطاع، وسط آمال الغزيين بانتهاء مرحلة تحولت فيها بوابتهم الوحيدة نحو العالم إلى واحدة من أقسى أدوات التعذيب الجماعي.
وافتتحت السلطات الإسرائيلية المعبر، اليوم، بشكل "تجريبي" حسب ما نقلت وسائل إعلام عن مصادر أمنية إسرائيلية، حيث قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إن المعبر "افتتح اليوم تجريبيًّا، على أن يفتح غدًا الاثنين أمام حركة الأفراد في الاتجاهين".
وتسود حالة من الضبابية حول آليات تشغيل المعبر وأعداد القادمين والمغادرين عبره، إذ ما زال الجيش الإسرائيلي موجودًا في مدينة رفح التي يُحرم سكانها من الوصول إليها.
لكن تقارير إسرائيلية أشارت إلى أنه سيدار في جانبه الفلسطيني بعناصر أمنية فلسطينية، إضافة إلى عناصر من بعثة أوروبية، وسيكون دور إسرائيل إشرافيًا على المعبر عبر بوابة تسمح بمرور الأشخاص بعد فحصهم أمنيًا.
وتعكس آلية التشغيل المتوقعة هذه تعاقب ظروف عمل معبر رفح بناءً على الأوضاع السياسية والميدانية في قطاع غزة، إذ بدأت السيطرة على المعبر الذي أُنشئ عام 1982 إسرائيلية، حتى انسحاب إسرائيل من قطاع غزة بناءً على خطة "فك الارتباط" عام 2005.
ومنذ ذلك الحين جرى تشغيل المعبر وفقًا لاتفاقية المعابر بين السلطة الفلسطينية ومصر والاتحاد الأوروبي، وهي الآلية التي ظلت سائدة حتى سيطرة حماس على قطاع غزة بالكامل عام 2007، لتبدأ بعدها الحركة تشغيله بشكل منفرد عقب انسحاب البعثة الأوروبية منه.
ويضم المعبر جانبًا لعبور الأفراد من وإلى قطاع غزة، إضافة إلى جزء تم تأهيله لإدخال شاحنات البضائع والمساعدات إلى القطاع، وهو ما ترسخ في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

ومنذ مايو/أيار 2024 تسيطر إسرائيل على المعبر بعد اجتياح مدينة رفح، وتوقفت على إثر ذلك عمليات إدخال شاحنات المساعدات والمواد الإغاثية والإنسانية إلى قطاع غزة، ليصبح المعبر أحد أهم أدوات الضغط التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة.
وينتظر نحو 19 ألف فلسطيني فتح المعبر للسفر إلى الخارج من أجل تلقي العلاج، بسبب تعذر حصولهم على رعاية طبية في مستشفيات غزة المتهالكة، التي دمرت إسرائيل غالبيتها خلال حربها على القطاع.
ويرى المحلل السياسي عدنان الصباغ أن معبر رفح والمساعدات الإنسانية يُدرجان في العقلية الإسرائيلية ضمن أدوات الضغط، ويتم توظيفهما لمحاصرة الفلسطينيين وتقليص المساحات التي يُسمح لهم بالوجود فيها داخل قطاع غزة، وصولًا إلى إغلاقها بالكامل وممارسة مزيد من الضغط عليهم.
ويقول الصباغ لـ"إرم نيوز"، إن إسرائيل تدرك الأهمية الكبيرة لمعبر رفح كونه يتيح للفلسطينيين القدرة على الحركة والخروج في حالات الجرحى والمرضى والأزمات الصحية، ولذا تسعى إلى التحكم بتوقيت فتحه، بحيث لا يُفتح إلا عندما يصل الفلسطيني إلى قناعة قسرية بضرورة المغادرة.
ويشير الصباغ إلى أن فتح المعبر لا يُنظر إليه كإجراء إنساني بالنسبة لإسرائيل، مضيفًا أنه يأتي ضمن ما وصفه بـ"هندسة قطاع غزة" ووضعه تحت السيطرة المطلقة، مع دور أمني فلسطيني محدود يخدم الوجود الأمني الإسرائيلي والمصالح الأمريكية في القطاع.
وبحسب الصباغ، فإن معبر رفح في ظل الظروف الراهنة قد يتحول إلى ورقة ضغط سياسية لضبط المشهد في غزة بدلًا من كونه ممرًا سياديًا مفتوحًا للفلسطينيين.
وحول ارتباط فتح المعبر برغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في تهجير سكان قطاع غزة، يقول الصباغ إن الهدف النهائي يتمثل في تقليص الوجود السكاني في القطاع إلى الحد الأدنى، والإبقاء فقط على من قد تحتاجهم الولايات المتحدة لأدوار خدمية، وإن واشنطن وفق هذا المنطق لا تقبل بأي حل آخر.
من جانبه يرى المحلل السياسي يونس الزريعي أن فتح معبر رفح يخفف من الحصار الذي تمارسه إسرائيل على سكان قطاع غزة، ويُسقط ورقة الضغط التي استخدمتها إسرائيل طوال مدة الحرب، باعتبار المعبر شريان حياة رئيسًا لسكان القطاع من حيث الاتصال بالعالم واستيراد البضائع.
ويقول الزريعي لـ"إرم نيوز": إن إسرائيل تريد تحويل معبر رفح إلى مجرد مفرزة أمنية للتحكم بحركة الفلسطينيين، في حين تصرّ مصر على تفعيل اتفاقية 2005 بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية كإطار قانوني وشرعي لفتح المعبر بإشراف أوروبي دون أي اشتراطات إسرائيلية.
ويشير إلى أن إسرائيل تحاول فرض أمر واقع يتحكم في ظروف وآلية عمل وتشغيل المعبر، والضغط على مصر للقبول به.
ويضيف: ستسمح إسرائيل بدخول أعضاء اللجنة الإدارية لبدء مهامهم في القطاع، بالتزامن مع حركة المواطنين وفق قدرة استيعاب الأطقم الإدارية المصرية والفلسطينية، مع مراقبة أمنية إسرائيلية عن بُعد متفق عليها مع الفريق الأوروبي المشرف على تشغيل المعبر.
ويوضح أن معبر رفح هو ممر سيادي مصري-فلسطيني يخضع لاتفاقيات سابقة، مشددًا على أن قضية أعداد القادمين والمغادرين شأن وامتياز مصري بحت، وأن مصر لن تسمح لإسرائيل باستخدام المعبر كورقة ضغط سياسية أو اقتصادية على الفلسطينيين.
ويرى أن نجاح تشغيل المعبر سيكون مقياسًا لمدى نجاح تطبيق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي لإنهاء الحرب في قطاع غزة، والانتقال إلى بقية القضايا التي تتضمنها هذه المرحلة.