أثارت التحركات الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية في ليبيا في مسعى لاختراق جدار الأزمة السياسية جدلاً واسعاً حيث تواجه واشنطن انتقادات في شأن ذلك.
ومنذ أشهر توصّل الفرقاء المتنازعون في ليبيا إلى اتفاق مالي برعاية أمريكية في خطوة أثارت تساؤلات حول استعادة واشنطن دورها في البلاد التي تعرف انقساماً حكومياً وسياسياً.
وعلق النائب البرلماني الليبي، عبد المنعم العرفي، على الأمر بالقول إنّ "الدور الأمريكي في ليبيا بالفعل بات مثيرا للتحفظات حيث تعطي واشنطن الأولوية للنفط وبقية الثروات بدل التركيز على الحلّ السياسي لأزمة البلاد، فالولايات المتحدة تريد السيطرة على الاقتصاد العالمي وهي في منافسة مع الصين وقوى أخرى وليبيا جزء من المناطق التي تتنافس حوله مع تلك القوى".
وأضاف العرفي في تصريح خاص لـ"إرم نيوز" أن "الملف السياسي لا يحظى بأهمية كبيرة لدى الولايات المتحدة الأمريكية".
ولفت إلى أنّ "بإمكان واشنطن الدفع نحو حل الأزمة في ليبيا لكن يبدو أنها منشغلة الآن بالحرب ضد إيران وهي حرب ستكون لها تداعيات في الداخل الليبي، ولن تعير اهتماما في اعتقادي للملف السياسي في البلاد".
أما المحلل السياسي الليبي، خالد محمد الحجازي، فاعتبر أنّ "الملف الليبي في السنوات الأخيرة أثار جدلاً واسعاً حول طبيعة الدور الأمريكي، خاصة مع تصاعد الانطباع بأن واشنطن باتت تركز على الجانب الاقتصادي أكثر من انخراطها الجاد في حلّ الأزمة السياسية. هذا التصور لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ممارسات واضحة تشير إلى أن الأولوية الأمريكية تتمثل في ضمان استقرار إنتاج النفط، والحفاظ على عمل المؤسسات المالية، ومنع الانهيار الاقتصادي الشامل، أكثر من الدفع نحو تسوية سياسية شاملة".
وأوضح الحجازي في تصريح خاص لـ "إرم نيوز" أنّه: "في الواقع، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة في الحالة الليبية، لكن ما يبدو واضحاً هو أن واشنطن تستخدم الأدوات الاقتصادية كمدخل لإدارة الأزمة، وليس لحلّها جذرياً. فاستقرار تدفق النفط الليبي للأسواق العالمية، خاصة نحو أوروبا، يمثل أولوية استراتيجية، كما أن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار المالي يمنع تفاقم الفوضى التي قد تؤثر على الأمن الإقليمي".
وبين أنّ "من جهة أخرى، يعكس هذا النهج رغبة أمريكية في تقليل الانخراط المباشر والمكلف، خصوصاً بعد تجارب سابقة في المنطقة. لذلك تميل واشنطن إلى الاعتماد على أدوات أقل تكلفة، مثل الضغط الدبلوماسي، ودعم المسارات الأممية، والتأثير غير المباشر عبر الاقتصاد، بدلاً من قيادة عملية سياسية حاسمة".
واستدرك المتحدث ذاته بالقول: "لكن السؤال الأهم يبقى: هل تستطيع الولايات المتحدة إنهاء الأزمة في ليبيا؟ نظرياً، تمتلك واشنطن أدوات قوية، سواء من خلال نفوذها الدولي أو قدرتها على التأثير في الأطراف الإقليمية والمحلية. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً، فالأزمة الليبية لم تعد مجرد صراع داخلي، بل أصبحت ساحة لتداخل مصالح قوى متعددة، إضافة إلى وجود اقتصاد موازٍ يغذي استمرار الانقسام".
وذكر أنّ "الأهم من ذلك، أن المؤشرات الحالية لا توحي بوجود إرادة أمريكية حقيقية لفرض حل نهائي، بل تشير إلى تفضيل إدارة الوضع القائم ومنع تدهوره، بدلاً من المخاطرة بتغييرات جذرية قد تكون غير مضمونة النتائج".
واستنتج الحجازي أنّه "بناءً على ذلك، يمكن القول إن الدور الأمريكي في ليبيا اليوم هو دور إدارة أزمة أكثر منه صناعة حل. فواشنطن تسعى إلى تحقيق استقرار نسبي يحمي مصالحها ويمنع الانفجار، لكنها لا تبدو مستعدة حتى الآن لقيادة تسوية سياسية شاملة تنهي الصراع بشكل نهائي، وفي ظل هذا الواقع، يبقى مستقبل ليبيا مرهوناً ليس فقط بالتحركات الدولية، بل أيضاً بمدى قدرة الليبيين أنفسهم على التوصل إلى توافق داخلي حقيقي يضع حداً لسنوت الانقسام".