وسط تصاعد مؤشرات انعدام الأمن الغذائي، يجد ملايين اليمنيين أنفسهم أمام واقع معيشي بالغ القسوة، تتفاقم حدّته مع تعليق أنشطة برنامج الغذاء العالمي في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، الأكثر كثافة سكانية، في خطوة تنذر بحدوث فجوة تموينية عميقة، في ظل انكماش التمويل الدولي المخصص لخطط الاستجابة الإنسانية.
وعلى إثر اعتقال الحوثيين لـ 69 موظفا يعملون لدى مكاتب الأمم المتحدة بصنعاء، واقتحام مقارّها ومصادرة تجهيزات وأصول تشغيلية، تتجه منظومة العمل الإغاثي في اليمن إلى مسارات معقّدة ومليئة بالتحديات، في وقت تتسع فيه رقعة الاحتياج لتشمل أكثر من نصف سكان البلاد.
وتتهم الميليشيا المنظمات الدولية العاملة في مناطق سيطرتها، بممارسة أنشطة "تجسسية" لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما أدى إلى تضييق بيئة العمل الإنساني وشلّ آليات التنفيذ الميداني، وأجبر الأمم المتحدة على تعليق عدد من برامجها في شمال البلاد، وسط غياب الضمانات الأمنية وتراجع التمويل.
ووفق أحدث التقديرات الأممية، ارتفع عدد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية في اليمن إلى 22.3 مليون شخص، بزيادة تقارب 2.8 مليون عن العام الماضي، في حين يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون سنّ الخامسة من سوء التغذية الحادّ، بينهم نحو 750 ألف طفل يواجهون سوء تغذية وخيما يهدد حياتهم.
ويرى مراقبون، أن توقف عمليات "الغذاء العالمي"، في مناطق سيطرة الحوثيين الأشد احتياجا للمساعدات يشكّل منعطفا خطيرا في مسار الدعم الإنساني، ما قد يلقي بظلاله على حياة الملايين، ويدفع نحو تداعيات توسّع نطاق المجاعة الكارثية، خصوصا في ظل توقف مرتبات موظفي قطاعات الدولة، واستمرار تردّي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويشير المنسّق العام للجنة العليا للإغاثة في اليمن، جمال بلفقيه، إلى أن المشهد الإنساني يتجه نحو مزيد من التدهور، مسجلا مستويات غير مسبوقة من الهشاشة، لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، التي تستحوذ على أكثر من 85% من إجمالي المساعدات الدولية الموجهة إلى البلاد.
وأوضح بلفقيه، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن أنشطة برنامج الغذاء العالمي شبه متوقفة منذ قرابة عامين، بعد أن كانت تغطي نحو 12 مليون مستفيد، فيما تقلّص نطاق الاستفادة مؤخرا ليشمل ما بين 1.7 إلى 2 مليون شخص فقط، من بينهم نحو 800 ألف يتلقون تحويلات نقدية لا تتجاوز 11 ألف ريال يمني (نحو 8 دولارات)، وهو مبلغ لا يفي بالحد الأدنى من الاحتياج الغذائي الأساسي.
وأضاف أن السلال الغذائية التي كان يوفرها البرنامج تتضمن نحو 25 كيلوغراما من الدقيق، و10 كيلوغرامات من الأرز، و4 لترات من الزيت، و4 كيلوغرامات من البقوليات، تُوزع دوريا كل أربعة أشهر، إلا أن نطاق هذه المساعدات بدأ ينحسر تدريجيا ليقتصر على الفئات الأشدّ ضعفا، نتيجة شحّ الموارد وتراجع التزامات المانحين.
وفيما يتعلق بإمكانية تعويض غياب البرنامج، يرى بلفقيه أن انتقال مكتب التنسيق الأممي المقيم من صنعاء الواقعة تحت سيطرة الميليشيا، إلى العاصمة المؤقتة عدن، قد يسهم بشكل كبير في إعادة تنظيم خطط العمل وتعزيز الشفافية، بعيدا عن أي تأثير أو تدخل من قبل الحوثيين.
وأكد أن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة والإجراءات الأخيرة للبنك المركزي اليمني، ستساعد على خلق البيئة المواتية لعمل المنظمات الأممية من مناطق سيطرة الحكومة، ومعالجة الاختلالات التي أثّرت في بيئة العمل الإنساني، الأمر الذي "يعزز من ثقة المانحين الدوليين ويشجعهم على استئناف تمويل البرامج الإغاثية والتنموية، وبما يضمن وصول المساعدات إلى مستحقيها الحقيقيين".
وتتجاوز تعقيدات الأزمة بعدها المحلي، لتتشابك مع اعتبارات جيوسياسية وحسابات دولية، أعادت ترتيب أولويات الإنفاق الإنساني.
وسجل العام الماضي أدنى مستوى تمويل منذ 2016، بعد أن بلغ إجمالي تمويل المانحين لخطة الاستجابة الإنسانية، نحو 687.9 مليون دولار فقط، بما تصل نسبته إلى 27.8% من إجمالي المبلغ المطلوب والمقدر بـ2.48 مليار دولار، ما وضع المنظمات أمام عجز هيكلي أدى إلى تقليص البرامج وتضييق نطاق المستفيدين.
من جانبه، يعتبر الخبير الاقتصادي، ماجد الداعري، أن تقليص أو تعليق أنشطة المنظمات الأممية لا يرتبط حصريا بالوضع الأمني أو التضييق الميداني الذي يمارسه الحوثيون، بل يتصل أساسا بأزمة التمويل الدولي وتحوّلات أولويات المانحين.
وقال الداعري في حديثه لـ"إرم نيوز"، إن قرار الولايات المتحدة تعليق جزء من مساعداتها الخارجية، إلى جانب تداعيات تصنيف واشنطن ميليشيا الحوثي كـ"منظمة إرهابية أجنبية"، أفضت إلى إعادة تقييم شراكة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مع الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية العاملة في اليمن، كما دفع المانحين الغربيين إلى تقليص مساهماتهم، خاصة في ظل تصاعد الإنفاق الدفاعي، بفعل التوترات الدولية المتصاعدة.
وبرأيه، فإن توقف أنشطة المنظمات الأممية "لا يعدّ انسحابا نهائيا"، بل خطوة مرحلية قد تُستخدم كأداة ضغط سياسي ورسالة موجهة للحوثيين، فضلا عن كونها تنبيها للفت أنظار المجتمع الدولي إلى ضرورة استمرار التمويل لتفادي انهيار إنساني شامل.