سلّط تقرير لصحيفة "لوفيغارو" الفرنسية، الضوء على الجانب المعقد من تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، مؤكداً أن طهران فرضت حصاراً على مضيق هرمز ما تسبب بأزمة عالمية في قطاع النفط والغاز، حيث حذّر التقرير من اضطرابات مماثلة قد تحدث في أماكن أخرى من العالم.
وتساءلت الصحيفة، كيف يُمكن لمضيق عرضه 55 كيلومترًا أن يُوقف حركة النقل البحري العالمي؟ مشيرة إلى أنه بعد 3 أسابيع من الحرب توقف تدفق النفط والغاز تقريبًا عن هذا الممر، الذي يشهد عادةً مرور 20% من إنتاج العالم من المواد الهيدروكربونية.
وأضاف التقرير أنه بعد إغلاق مضيق هرمز، أدرك العالم بمرارة خطورة اعتماده على هذا الممر الضيق والهش، ونقلت الصحيفة عن سيباستيان جان، الأستاذ في المعهد الوطني للفنون والحرف، والمدير المساعد لمبادرة الجغرافيا الاقتصادية والتمويل الجغرافي في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية قوله: "أصبحت التجارة العالمية آلية بالغة التعقيد، ما يجعل تعطيلها أمراً سهلاً".
وبحسب "لو فيغارو"، فإن ما يزيد الطين بلة، أن هذا المضيق ليس حالة معزولة، فهناك بعض النقاط الحرجة الأخرى، التي تُنذر بتوترات، والتي قد تنبثق منها أزمات تجارية عالمية أخرى.
وفي مصر خلت منطقة قناة السويس إلى حد كبير من ناقلات النفط وسفن الحاويات التي اعتادت استخدامها، حيث يُعدّ المرور عبر قناة السويس، ثم عبر البحر الأحمر إلى مضيق باب المندب، عادةً أحد أهم الطرق التجارية بين أوروبا وآسيا.
ويمرّ هذا الطريق بشكل أساس بين مصر والسعودية، متجنباً مساراً طويلاً حول جنوب أفريقيا، موفراً بذلك ما يقارب 10 أيام من السفر و 9000 كيلومتر.
وأكد التقرير أن قناة السويس، لا تزال هي الوجهة المفضلة لدى معظم شركات الشحن. فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة CMA-CGM الفرنسية، في الساعات الأولى من اندلاع العنف في الشرق الأوسط، أنه "تم تعليق المرور عبر قناة السويس حتى إشعار آخر، وسيتم تحويل مسار السفن عبر رأس الرجاء الصالح"، حيث يُعيد هذا الطريق ذكريات أليمة لمتخصصي الخدمات اللوجستية البحرية، إذ يُجبر السفن على الإبحار بمحاذاة سواحل اليمن، حيث ينشط الحوثيون، الذين لم يترددوا في قصف السفن قبالة سواحل اليمن، وتشير الإحصائيات إلى أنه ومنذ نهاية العام 2023، تعرضت نحو عشر سفن للقصف. ووقع آخر حادث في الصيف الماضي.
التقرير تطرق أيضاً إلى قناة بنما، التي يسعى ترامب للسيطرة عليها، وهي التي ينقل عبرها نحو 6% من التجارة البحرية العالمية. وبحسب "لو فيغارو"، فقد اكتمل بناء هذا الممر المائي، الذي يبلغ طوله 80 كيلومتراً ويربط المحيطين الأطلسي والهادئ، العام 1914، متجنباً بذلك الالتفاف الطويل حول رأس هورن في الطرف الجنوبي من القارة.
وليس من المستغرب أن تكون واشنطن هي المستخدم الرئيسي لهذا الممر، مما يسمح لها بربط الساحلين الشرقي والغربي لأراضيها الشاسعة بحراً.
وفي ظل التنافس المتزايد بين الصين والولايات المتحدة، أصبحت هذه البنية التحتية نقطة خلاف، لكن "لو فيغارو" ترى أن التهديد الأكبر ليس جيوسياسيًا. فقناة بنما تتطلب مياهًا مستوردة لتشغيلها، وهذا الإمداد يتقلص باستمرار بسبب تغير المناخ، كما يُهدد الجفاف الممتد بتعطيل النظام. وقد حدث هذا السيناريو بالفعل في العام 2023، مما أجبر السلطات على خفض عدد السفن العابرة من 40 إلى 32 سفينة يوميًا. ونتيجة لذلك، ارتفعت تكاليف العبور بشكل كبير، دون أن تتمكن واشنطن من فعل أي شيء حيال ذلك.
مناطق العبور القليلة في العالم تنذر دائماً بتفجر الصراعات، وتتساءل الصحيفة الفرنسية، عن فائدة أن تكون الصين أكبر مُصدِّر للسلع المصنعة في العالم إذا كانت تعتمد على قناة ضيقة لا يتجاوز عرضها 3 كيلومترات؟ مؤكدة أن بكين كما هو الحال مع سيول وطوكيو، تعتمد على مضيق ملقا لتأمين جزء كبير من وارداتها من النفط والغاز وصادراتها من البضائع. ويشهد هذا الممر، الواقع بين ماليزيا وإندونيسيا، مرور أكثر من 100 ألف سفينة سنويًا.
وقال سيباستيان جان: " الصين ربما لا تستطيع ضمان استمرار حركة الملاحة" في حال فرضت الولايات المتحدة حصارًا على ملقا. وهذا سيناريو وارد جدًا في حال غزو الصين لتايوان.
ووفق تقرير "لوفيغارو"، تولي بكين هذا الخيار اهتماماً بالغاً، وقد دأبت منذ فترة طويلة العمل على تطوير طرق بديلة، حيث يربط خط سكة حديد حالياً بين تشونغتشينغ في سيتشوان ودويسبورغ في ألمانيا. وبالمثل، تعمل الصين على تطوير سلسلة من مشاريع البنية التحتية في باكستان لتمكينها من تجاوز ملقا. وعلى المدى البعيد، يُنظر إلى طريق بحر الشمال، الذي يلتف حول آسيا عبر المحيط المتجمد الشمالي، كخيار مطروح، وكذلك إنشاء قناة عبر تايلاند.
وتعرض التقرير أيضاً لأهمية المعابر البحرية حول العالم، باعتبار أن الدول المسيطرة عليها تتخذها أوراق ضغط، فتركيا مثلاً تملك القدرة على فرض حصار على القارة الأفريقية من خلال مضيق البوسفور.
وأكدت الصحيفة، أن ذلك يعد أحد الدروس المستفادة من الهجوم الروسي على أوكرانيا باعتبارهما أكبر مُصدّري القمح في العالم، لكن للوصول إلى وجهاتها، يجب على سفن الحبوب عبور مضيق البوسفور الذي يقسم إسطنبول. ومنذ اتفاقية مونترو للعام 1936، تُسيطر أنقرة على المضيق. ولذلك، حظر رئيسها، رجب طيب أردوغان، مرور السفن الحربية، ----خاصة الروسية منها، منذ بداية الصراع في أوكرانيا.
ويحذّر الخبراء من ضرورة أخذ هذه المخاطر بعين الاعتبار بشكل متزايد. وتقول إلفير فابري، الباحثة الرئيسة في معهد جاك ديلور والمتخصصة في الجغرافيا السياسية للتجارة: "لقد دخلنا حقبة جديدة أكثر صراعاً، إن تركز الإنتاج في بعض البلدان بات يمثل مشكلة متزايدة. ورغم إدراك الشركات لهذا الأمر، إلا أنها لم تبدأ بعد بتطبيق تدابير الأمن الاقتصادي".
وتابعت: "هذا ما يدفعها إلى التخوف من تكرار صدمات العرض في المستقبل " .