أحدثت سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل ضد قيادة ميليشيا حزب الله خلال الحرب الأخيرة تحولاً عميقاً داخل البنية العسكرية للتنظيم، إذ دفعته إلى الاعتماد على جيل جديد من القادة الميدانيين الأصغر سناً لإدارة العمليات العسكرية.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث إسرائيلية وغربية إلى أن هذا التحول قد يجعل الحزب أكثر اندفاعاً عسكرياً وأقل حساسية للتوازنات السياسية اللبنانية، لأن القيادات الجديدة أكثر ارتباطاً بالمنظومة العسكرية الإيرانية وأقل انخراطاً في الحسابات الداخلية للبنان.
فخلال الحرب التي اندلعت بعد هجوم السابع من أكتوبر، نفذت إسرائيل حملة اغتيالات واسعة طالت عدداً من أبرز قادة الحزب، بينهم القائد العسكري البارز فؤاد شكر وقائد وحدة الرضوان إبراهيم عقيل وقائد الجبهة الجنوبية علي كركي، وهم شخصيات شكلت لسنوات طويلة العمود الفقري للقيادة العملياتية للحزب.
وتشير تحليلات عسكرية إلى أن هذه الضربات أدت إلى ما وصفه باحثون بـ"تفريغ الطبقة القيادية التاريخية" التي أدارت المواجهة مع إسرائيل لعقود، وامتلكت في الوقت نفسه خبرة سياسية في إدارة التوازنات داخل لبنان.
قادة جدد من وحدات النخبة
في أعقاب هذه الضربات، برزت أسماء من الجيل الثاني داخل القيادة العسكرية للحزب، أبرزهم هيثم علي طبطبائي الذي تولى قيادة العمليات العسكرية للحزب قبل أن يُقتل لاحقاً.
وتشير تقديرات مركز ألما الإسرائيلي للأبحاث الأمنية إلى أن طبطبائي لعب دوراً أساسياً في إعادة تنظيم القوات بعد اغتيال عدد من القادة الكبار، كما أشرف على إعادة بناء البنية العسكرية للحزب في جنوب لبنان.
كما برزت أسماء أخرى من القيادات الميدانية مثل محمد حيدر وعدد من ضباط وحدات النخبة الذين تولوا إدارة العمليات بعد تصفية القيادة السابقة.
ويلاحظ الباحثون أن عدداً كبيراً من هؤلاء القادة الجدد ينحدر من وحدة الرضوان، وهي قوات النخبة الهجومية في حزب الله والمكلفة بالعمليات الخاصة داخل إسرائيل.
لكن هذه الوحدة تعرضت أيضاً لضربات قاسية خلال الحرب، إذ تشير تقديرات عسكرية إلى مقتل عدد كبير من قادتها في الغارات الإسرائيلية التي استهدفت بنيتها القيادية.
وبحسب تقديرات عسكرية إسرائيلية، فإن عدداً من القادة الذين يديرون الجبهات حالياً هم ضباط ميدانيون في الثلاثينيات أو بداية الأربعينيات من العمر، وهو ما يمثل تحولاً واضحاً مقارنة بالجيل السابق الذي قاد الحزب لعقود.
"الجيل الإيراني" داخل الميليشيا
ترى مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية أن التحول القيادي داخل ميليشيا حزب الله لا يتعلق فقط بعمر القادة الجدد، بل بطبيعة تكوينهم العسكري والسياسي.
فبحسب تحليل صادر عن معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، فإن عدداً من الضباط الذين صعدوا في السنوات الأخيرة تلقوا تدريبهم المتقدم في إيران أو عملوا ضمن غرف العمليات المشتركة التي أدارها الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب السورية.
كما يشير باحثون في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى إلى أن الحرب السورية لعبت دوراً حاسماً في تشكيل هذا الجيل من القادة الذين اكتسبوا خبرتهم القتالية الأساسية في العمليات الإقليمية للحزب، وليس في المواجهة التقليدية مع إسرائيل.
ويعتقد بعض الباحثين أن هذا العامل قد يجعل القادة الجدد أكثر ارتباطاً بالاستراتيجية الإقليمية لطهران، وأقل ارتباطاً بالحسابات السياسية اللبنانية التي كانت تؤثر في قرارات القيادة التاريخية للحزب.
قيادة لامركزية
إلى جانب اختلاف الأجيال والأعمار، تشير تحليلات عسكرية إلى أن لميليشيا بدأت تعتمد نموذج قيادة أكثر لامركزية بعد الضربات التي استهدفت قيادتها العليا، بحيث أصبحت صلاحيات القرار العسكري موزعة بين قادة الجبهات والوحدات الميدانية.
ويرى الخبير الأمني والعسكري عامر السبايلة أن الخسائر المتسارعة التي تعرض لها حزب الله منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر فرضت واقعاً جديداً داخل التنظيم.
ويقول السبايلة إن حزب الله خسر معظم قياداته الأساسية خلال فترة قصيرة، ما دفعه إلى ملء الفراغ بقيادات أقل خبرة سياسية وأكثر ميلاً إلى التفكير العملياتي العسكري.
ويضيف أن اغتيال الأمين العام للحزب وما تلاه من استهداف القيادات التي كان يمكن أن تخلفه عمّق هذا التحول، إذ بات الحزب أقرب إلى العمل العسكري البحت وأبعد عن الحسابات السياسية التقليدية.
ويشير السبايلة إلى أن الضربات المتواصلة والاختراقات الأمنية التي تعرض لها حزب الله أدت أيضاً إلى تعزيز السرية داخل وحداته وظهور نمط عمل قائم على الخلايا الصغيرة والقرارات الميدانية السريعة، وهو ما يعزز الطابع اللامركزي داخل التنظيم.
ويخلص إلى أن حزب الله دخل مرحلة قيادية جديدة تقودها نخبة عسكرية شابة أكثر ميدانية وأقل سياسية.
وبينما قد يمنح هذا التحول الحزب قدرة أكبر على مواصلة القتال، فإنه في الوقت نفسه يزيد المخاطر على لبنان إذا أصبحت قرارات الحرب والسلم بيد قادة ميدانيين يرتبطون بمحور إيران الإقليمي أكثر من ارتباطهم بتوازنات الداخل اللبناني.