مع تصاعد مؤشرات تكليف رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي بمنصب رئاسة وزراء العراق، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا أهمية، وهي قدرة الحكومة المقبلة على التعامل مع ملف الميليشيات المسلحة، في ظل ضغوط أمريكية وداخلية متزايدة.
وتكتسب عودة اسم المالكي إلى واجهة المشهد التنفيذي دلالة خاصة، كون الرجل يمتلك تجربة سابقة مباشرة في إدارة الصدام مع الفصائل، فضلاً عن كونه أحد أبرز مهندسي العلاقة المعقدة بين الدولة وهذه الجماعات منذ ما بعد عام 2006.
وخلال الأشهر الأخيرة، تصاعد التركيز الأمريكي على ملف الفصائل المسلحة بوصفه أحد العناوين الرئيسة في العلاقة مع بغداد، سواء عبر التصريحات الرسمية أو تقارير مراكز الدراسات، التي تضع مسألة حصر السلاح بيد الدولة شرطاً أساسياً لأي انفتاح سياسي أو اقتصادي أوسع.
والشهر الماضي، أفاد معهد دراسات الحرب الأمريكي، بأن رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي أبلغ الولايات المتحدة، عبر وسطاء، استعداده لنزع سلاح الفصائل العراقية المدعومة من إيران مقابل دعم مساعيه لتولي رئاسة الوزراء، بحسب ما نقله مسؤول عراقي كبير لصحفي كردي.
ويشير مراقبون إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى الحكومة العراقية المقبلة بوصفها أمام استحقاق واضح، لا يتعلق فقط بإدارة العلاقة مع إيران، بل بقدرتها على إعادة تعريف دور الفصائل داخل الدولة، أو على الأقل ضبط سلوكها ومنع انخراطها في صراعات إقليمية قد تجر العراق إلى مواجهات غير محسوبة.
وفي هذا السياق، يرى عضو ائتلاف دولة القانون، عمران الكركوشي، أن "المرحلة المقبلة تتطلب شخصية تمتلك الخبرة والقدرة على إعادة ضبط إيقاع النظام السياسي الذي يعاني من تصدعات حقيقية تحتاج إلى إعادة ترميم، وإلى جهد كبير في إعادة صياغة قواعده، والعودة إلى المبادئ التي تأسس عليها هذا النظام قبل أن يتعرض للتفكك بفعل التوافقات الهشة".
وأضاف الكركوشي، لـ"إرم نيوز"، أن "المرحلة المقبلة تحتاج إلى شخصية تمتلك الإمكانيات والخبرة والقدرة على إدارة التعقيدات، وهو ما يتوافر في نوري المالكي بحكم تجربته السياسية، ووضعه داخل حزبه، ومعرفته بتفاصيل الدولة"، مشيراً إلى أن "الأوضاع الاقتصادية الضاغطة وارتفاع الأسعار والرسوم تشكل تحدياً إضافياً يتطلب قيادة قوية".
ويستحضر متابعون تجربة المالكي عام 2009، حين أطلق عملية "صولة الفرسان" ضد التيار الصدري في البصرة ومدن أخرى، في واحدة من أكثر المواجهات دموية وحساسية بين الدولة والفصائل المسلحة آنذاك.
وتلك التجربة رسّخت صورة المالكي بوصفه رئيس وزراء قادراً على المواجهة حين تتوفر الإرادة السياسية، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن كلفة عالية لمثل هذه الخيارات، وما تلاها من تفاهمات أعادت إنتاج ميليشيات جديدة، ودمج بعض الفصائل في العملية السياسية بدل إنهاء نفوذها.
كما يُسجل على حكومات المالكي السابقة أنها منحت مساحة واسعة لتمدد تشكيلات مسلحة أُنشئت أو توسعت تحت غطاء مواجهة الإرهاب، قبل أن تتحول لاحقاً إلى لاعب سياسي وأمني مستقل، وهو ما يعقد اليوم أي محاولة لضبط هذا الملف بصورة جذرية.
من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي، علي ناصر، أن "رئيس الوزراء المقبل لا يملك ملفات كثيرة لتقديمها للولايات المتحدة سوى إدارة التوازن بين إيران وواشنطن، ومحاولة النأي بالعراق عن أي صراع إقليمي"، موضحاً أن "ملف الاستثمارات أو العلاقات الاقتصادية الكبرى لا يزال خاضعاً لاقتصاديات الأحزاب أكثر من كونه بيد الدولة".
وأضاف ناصر، لـ"إرم نيوز"، أن "ملف الفصائل معقد، لكن حصر السلاح قد يتم ليس بإرادة رئيس الوزراء، بل بإرادة الفصائل نفسها، حين تقرر الانتقال من التمثيل العسكري إلى التمثيل السياسي"، لافتاً إلى أن "عدم استهداف الفصائل قد يدفعها إلى الانخراط السياسي كما حدث في تجارب انتخابية سابقة".
ويرى مراقبون أن المالكي يمتلك الخبرة والأدوات، لكنه يفتقر اليوم إلى هامش الحركة الذي كان متاحاً له قبل أكثر من عقد، في ظل تغير موازين القوى داخل الإطار التنسيقي، وتحول الفصائل إلى قوى سياسية مؤثرة داخل البرلمان والحكومة.
وبين عامي 2006 و2014، ارتبطت مرحلة حكم نوري المالكي بواحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ العراق الحديث، إذ شهدت تصاعداً غير مسبوق في العنف الطائفي، وعمليات قتل على الهوية، وانتشار السجون السرية، وتوثيق واسع لحالات التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان.
كما تميزت تلك المرحلة بقمع الاحتجاجات السلمية بالقوة، ولا سيما في الحويجة والأنبار وصلاح الدين وديالى، ما عمق الشرخ المجتمعي ورسخ فقدان الثقة بين الدولة وشرائح واسعة من المواطنين، خصوصاً في المحافظات ذات الغالبية السنية.