مع كل تكليف من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لرجل الأعمال والعضو البارز في الحزب الجمهوري، توماس باراك، يظهر مدى الثقة التي يضعها فيه، خاصة مع عمله مبعوثًا له في سوريا، خلال ولايته الجديدة.
ومع تسلم باراك مهمة المبعوث الأمريكي في العراق، بدلًا من السابق مارك سافايا، بات الرجل الذي يبلغ من العمر 79 عامًا، صاحب عدة مناصب رسمية، كونه يعمل في الأساس، سفيرًا للولايات المتحدة لدى تركيا منذ مايو/ أيار 2025، وتولى مهام في سوريا ولبنان، وحاليًّا في العراق.
وتصاعدت التساؤلات خلال الأيام الماضية، حول مدى رهان ترامب على باراك في تسلمه منصب المبعوث الأمريكي في العراق، وتكديس عدد من ملفات الشرق الأوسط في يديه، وما إذا كان ذلك زيادة لصلاحياته أم توسيع ساحات في ظل وقوف الضربة الأمريكية لإيران على الأبواب.
واعتبر خبراء في العلاقات الدولية أن تكديس ملفات الشرق الأوسط بيد باراك لا يبدو مجرّد توسعة إدارية للصلاحيات، بل يعكس توجّهًا أمريكيًّا إلى إعادة هندسة إدارة الإقليم من خلال شخص له علاقات سياسية واقتصادية ودائرة معارف وتواصل واسعة.
ووفقًا لخبراء في تصريحات لـ"إرم نيوز"، فإن التطورات التي جرت في سوريا خلال عام 2025، مع تسلم باراك هذا الملف، خدمت دوره، وجعلت وجوده بمثابة "رهان" للاعتماد عليه في أمور أخرى، في ظل ثقة البيت الأبيض فيه.
توماس باراك هو رجل أعمال وملياردير أمريكي ومن أبرز رجال العقارات في الولايات المتحدة، وتجمعه علاقة صداقة بالرئيس ترامب قائمة على أعمال اقتصادية تحولت إلى ثقة جعلت الرئيس الجمهوري يحمله مسؤوليات سياسية معقدة.
وتعود أصول توماس باراك إلى الشرق الأوسط، وبالتحديد مدينة زحلة اللبنانية، حيث هاجر والداه إلى الولايات المتحدة، وولد عام 1949 وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا عام 1969.
وتقول الباحثة في العلاقات الدولية، الدكتورة ميساء عبد الخالق، إن تكديس ملفات الشرق الأوسط بيد باراك لا يبدو مجرّد توسعة إدارية للصلاحيات، بل يعكس توجّهًا أمريكيًّا إلى إعادة هندسة إدارة الإقليم عبر تقليص عدد الوسطاء وتكثيف القرار بيد شخصية واحدة تتمتّع بعلاقات سياسية واقتصادية وشخصية واسعة.
وأضافت عبد الخالق في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هذا النموذج المتمثل في باراك، غالبًا ما يُستخدم في المراحل الحساسة، في وقت ترى فيه واشنطن أن تشتّت القنوات يضعف الفاعلية ويؤخر قرار الحسم.
وأشارت إلى أن حصر كل الملفات في يد واحدة ليس توسيع صلاحيات، في وقت يحكم فيه الإدارة الأمريكية توجه وسياسة موحدة، فالأمر ليس توسيع ساحات نفوذ، لأنها تحت السيطرة في ظل نفوذ أمريكي إسرائيلي بغض النظر عن الأدوات أو تعيين أكثر من شخص لمتابعة الملفات.
واستطردت أن أولوية واشنطن هي أمن إسرائيل، والحفاظ على أمن الطاقة، وأن تكون هي دائمًا صاحبة اليد الطولى في العالم، والقضاء على إيران، وهذه الرؤية حاضرة في الشرق الأوسط مع باراك أو أشخاص آخرين معه، تعمل على الملفات ذاتها والحفاظ على أمنها وألا يكون لها منافس في العالم.
ويؤكد المختص في شؤون الشرق الأوسط، الدكتور زياد ضاهر، أن ترامب له طابع خاص في اختيار مساعديه في الملفات الحساسة، ويعتبر توماس باراك من أبرز معاونيه في ظل ما لديه من وجهة نظر ومعلومات خاصة بمنطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أن أصوله لبنانية.
وبين ضاهر في تصريحات لـ"إرم نيوز"، أن هناك ملفات تسند لبعض الأشخاص وفق اعتبارات محددة، إما لصفات شخصية أو لعلاقة مميزة أو لِما يمتلكه الشخص من قدرات تجعله يلعب دورًا في زيادة النجاح المطلوب منه.
وذكر ضاهر أن التطورات التي جرت في سوريا خلال عام 2025، مع تسلم باراك هذا الملف خدمت دوره، وجعلت وجوده حاضرًا للاعتماد عليه في أمور أخرى، في ظل ثقة البيت الأبيض فيه.
مع ذلك، بحسب ضاهر، فإن هذا لا يعني أن لباراك دورًا أساسيًّا في المشهد السوري، لأن الأمر أكبر من ذلك ولا يتعلق بأشخاص يلعبون دورًا معينًا، ولكن في النهاية فإن ما جرى أعطى انطباعًا إيجابيًّا سمح بإسناد المزيد من المهام له طالما أنه يحقق المطلوب.
وصرَّح ضاهر أن المسألة لا تتعلق بصلاحيات موظف حكومي كبير على مستوى باراك، لكنها سياسة دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة يقودها ترامب الذي له أسلوب فريد في التعامل مع السياسة الدولية وموقع بلاده في العالم.
وأشار ضاهر إلى أن هناك تحولًا جذريًّا في التوازنات السياسية وموازين القوى وإعادة تشكيلها بعد الـ7 من أكتوبر 2023، عكست تأثيراتها في المنطقة لعقود طويلة بعد سقوط النظام السوري وما جرى لمحور الممانعة وحرب الـ12 يومًا على إيران.
وقال ضاهر إن ذلك يتزامن مجددًا مع إرهاصات الضربة الجديدة لإيران التي من الممكن أن تحدث أو يتم التراجع عنها، وهو ما يرتبط بقدرة المفاوضات على الوصول إلى ما كانت الحرب تسعى إلى تحقيقه، أي الضغط بالقوة للفوز بما تريده واشنطن.
واستكمل ضاهر أن مسألة الشرق الأوسط "جيوسياسية" معقدة وترتبط بمسارات سياسية وموازين قوى ومشاريع إقليمية ودولية، حيث إن موقع المنطقة ومقدراتها تجعلها "جزيرة العالم" ومن يسيطر عليها يتحكم بالنفوذ والهيمنة الدولية.