logo
العالم العربي

واشنطن تصعد الضغوط.. ماذا يعني تسلم توم باراك الملف العراقي؟

المبعوث الأمريكي إلى العراق توم برّاكالمصدر: غيتي إيمجز

مع تسلّم المبعوث الأمريكي توم باراك الملف العراقي، تُثار تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية في بغداد بشأن طبيعة المقاربة الأمريكية الجديدة، وحدود التغيير المتوقع في إدارة العلاقة مع الحكومة العراقية، سيما في الملفات الشائكة المرتبطة بالميليشيات المسلحة، والنفوذ الإيراني، ومسار تشكيل الحكومة المقبلة.

ويأتي هذا التطور في لحظة سياسية صعبة، تتداخل فيها أزمة اختيار رئيس الجمهورية مع الانسداد داخل البيت الشيعي، والضغوط الخارجية المتصاعدة على العراق.

ووفق معطيات سياسية متقاطعة، فإن انتقال الملف العراقي إلى باراك لا يُقرأ كإجراء سريع، بل كخطوة تحمل دلالات سياسية واضحة، خاصة أن المبعوث الجديد يُعد من الشخصيات القريبة من دوائر القرار في واشنطن، ويتمتع بخبرة إقليمية تمتد من سوريا ولبنان إلى ملفات النفوذ الإيراني في المنطقة.

ويوم الأحد أعلن وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، انتهاء مهمة المبعوث الأمريكي للعراق مارك سافايا، على أن يتسلم مهامه السفير التركي لدى أنقرة والمبعوث إلى سوريا توم باراك.

بروز سافايا واختفائه

وكان اسم مارك سافايا قد برز في المشهد السياسي العراقي بوصفه مبعوثاً خاصاً للرئيس الأميركي إلى بغداد، إلا أن حضوره بقي محدوداً وملتبساً منذ لحظة تعيينه، وباستثناء زيارة واحدة غير رسمية سبقت تسميته، لم يُسجل له نشاط ميداني واضح داخل العراق، ولم ينجح في بناء قنوات تأثير مع القوى السياسية الأساسية، خصوصاً داخل الإطار التنسيقي.

وهذا الغياب العملي ترافق مع تصاعد الخلافات السياسية في بغداد، ووصول ملف ترشيح نوري المالكي إلى مرحلة صدام علني مع الموقف الأمريكي، من دون أن يظهر سافايا بوصفه وسيطاً قادراً على احتواء الأزمة أو إعادة ضبط المسار.

ووفق إفادات متقاطعة من مصادر حكومية ودبلوماسية، فإن استبعاد سافايا جاء نتيجة ما وُصف بـ"تقييم أداء" داخل الإدارة الأمريكية، خلص إلى أن أدواته لم تعد مناسبة لمرحلة تشهد تشدداً أمريكياً متزايداً تجاه العراق.

وتشير هذه التقديرات إلى أن واشنطن رأت فشل سافايا في إقناع القوى العراقية بتفادي خيارات تصعيدية، سواء على مستوى ترشيح شخصيات مرفوضة دولياً، أو في ما يتعلق بملف الميليشيات المسلحة والنفوذ الإيراني.

وبناءً على ذلك، اتجهت الإدارة الأمريكية إلى استبداله بشخصية أكثر قرباً من دوائر القرار وأكثر اندماجاً في المقاربة الإقليمية الشاملة، بما يعكس انتقال واشنطن من إدارة تفصيلية للملف العراقي إلى نهج أكثر صرامة وربطاً بسياق المنطقة ككل.

تطور غير إيجابي

وفي هذا السياق، قال الخبير في الشأن العراقي رمضان البدران إن "قدوم توم باراك لا يمثل تطوراً إيجابياً للنظام السياسي القائم، بل يؤشر موقفاً أمريكياً أكثر تشدداً تجاه بنيته الحالية"، مشيراً إلى أن "باراك ينظر إلى العراق ضمن إطار إقليمي أشمل، تكون فيه الأولوية للملف السوري واستقرار الحدود، وليس للتفاصيل الداخلية كما كان عليه الحال سابقاً".

وأضاف البدران لـ"إرم نيوز" أن "هذا النهج قد يضع القوى المهيمنة في بغداد أمام اختبار صعب، خصوصاً مع تعقّد فرص الحوار المرن في ظل الإصرار على ترشيحات مرفوضة دولياً".

وتزامن هذا التحول مع استمرار الخلافات داخل الإطار التنسيقي بشأن المضي بترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، في وقت تشير فيه تقديرات سياسية إلى أن الموقف الأميركي بات أكثر وضوحاً وحسماً حيال هذا الخيار.

وتربط أوساط سياسية بين تغيير المبعوث الأميركي وبين رغبة واشنطن في الانتقال من مرحلة التحذير إلى مرحلة فرض الوقائع السياسية، عبر أدوات ضغط معلنة، تتراوح بين تعطيل المسارات السياسية، والتلويح بإجراءات اقتصادية أو مصرفية.

تصعيد محسوب

من جهته، قال سياسي عراقي إن "المرحلة المقبلة ستتّسم بتصعيد أمريكي محسوب في الخطاب، لكنه سيكون أكثر حسماً على مستوى النتائج"، موضحاً أن "واشنطن توصّلت إلى قناعة بضرورة تعيين شخصية تمتلك تجربة إقليمية سابقة وقادرة على إدارة ملفات متشابكة في وقت واحد".

وبيّن السياسي العراقي الذي طلب حجب اسمه، لـ"إرم نيوز" أن "المقاربة الأمريكية الجديدة تقوم على تقليص النفوذ الإيراني ومواجهته سياسياً وأمنياً، وهو ما يتطلب شخصية تتمتع بقدرة أعلى على الضغط وإعادة توجيه المسار العام، بعيداً عن إدارة التفاصيل اليومية".

وأضاف أن "اختيار توم باراك يعكس توجهاً لربط الساحة العراقية بملفات سورية ولبنانية، ضمن رؤية إقليمية واحدة"، مشيراً إلى أن "هذا الربط يهدف إلى منع وصول شخصيات عراقية إلى الحكم لا تنسجم مع التوازنات الجديدة في المنطقة، ولا سيما مع النظام في دمشق، مثل نوري المالكي".

ولفت إلى أن "الإصرار على ترشيح نوري المالكي شكّل صدمة اجتماعية وإقليمية واسعة، ما دفع واشنطن إلى التدخل سريعاً عبر الدفع بباراك لتدارك المسار، ووضع مسار نزع السلاح وضبط الفصائل على الطاولة كملف لم يعد قابلاً للتأجيل".

ورافق مجيء سافايا الكثير من الجدل والتضارب في المعلومات، إذ ذهبت تسريبات إلى الزعم بتلقيه مبالغ مالية كبيرة تقدر بنحو 50 مليون دولار مقابل صفقات سياسية مرتبطة بملف تشكيل الحكومة العراقية، غير أن هذه الأحاديث بقيت في إطار التداول الإعلامي والاتهامات غير المسندة، من دون أي أدلة أو تأكيدات رسمية من جهات عراقية أو أمريكية.

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC