كشفت مصادر لبنانية وعراقية متقاطعة عن عقد اجتماعات مكثفة خلال الأيام الماضية، ضمت أطرافا أساسية في ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، بإشراف مباشر من قيادات في فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بهدف بلورة موقف موحد من الهجوم الأمريكي المحتمل على إيران، ووضع تصور عملي لمرحلة ما بعد الهجوم في حال وقوعه.
وبحسب هذه المصادر، التي تحدثت لـ"إرم نيوز"، فإن الاجتماعات لم تقتصر على تبادل تقديرات الموقف، بل تناولت بشكل تفصيلي سيناريوهات الحرب، وحدودها، وآليات الرد، وتوزيع الأدوار بين الساحات المختلفة، بما يمنع تركيز الضربة على إيران وحدها، ويحوّل أي مواجهة إلى اختبار إقليمي متعدد الجبهات.
وتضيف المصادر أن مخرجات هذه الاجتماعات بدأت بالظهور تباعا عبر مواقف علنية صدرت عن فصائل حليفة لطهران، عكست انتقال المحور من مرحلة التحذير إلى مرحلة إعلان التموضع السياسي والعسكري.
في هذا السياق، جاء تتابع المواقف الصادرة عن فصائل عراقية، ثم الحوثيين في اليمن، وصولا إلى حزب الله في لبنان، باعتباره ترجمة مباشرة لتفاهمات جرى التوصل إليها في تلك الاجتماعات، وقوامها أن أي حرب على إيران ستُواجَه برد جماعي، مع اختلاف أشكال المشاركة وحدودها من ساحة إلى أخرى.
توزيع أدوار لا إعلان حرب
تفيد مصادر مطلعة بأن النقاش داخل تلك الاجتماعات انطلق من قناعة راسخة لدى طهران وحلفائها بأن الحرب المقبلة، إن وقعت، لن تكون شبيهة بالجولات السابقة، لا من حيث شدتها ولا من حيث أهدافها. لذلك، تم التركيز على مبدأ أساسي مفاده أن الرد لا يجب أن يكون متزامنا بالضرورة، بل متدرجا ومدروسا، بما يربك الخصم ويمنعه من حصر المواجهة في مسرح واحد.
وبحسب هذه المقاربة، جرى الاتفاق على أن تتولى بعض الساحات دور الاستنزاف المباشر للوجود الأمريكي، فيما تبقى ساحات أخرى في موقع الضغط الردعي، مع الاحتفاظ بإمكانية الانتقال السريع إلى التصعيد إذا اتسعت رقعة الاستهداف. وتؤكد المصادر أن هذه الخطة لا تعني قرارا فوريا بالحرب، لكنها تعني أن خيار المشاركة بات محسوما بالمبدأ، ومؤجلا فقط من حيث التوقيت والأسلوب.
حزب الله وخطاب الخروج من الحياد
في هذا المناخ، اكتسب خطاب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، دلالات تتجاوز إطار التضامن السياسي مع إيران. فإعلانه أن الحزب "ليس على الحياد" في حال تعرضت طهران لهجوم أمريكي لم يكن، وفق مصادر لبنانية متابعة، زلة خطابية أو مجرد رفع سقف، بل تعبيرا دقيقا عن موقع الحزب داخل التفاهمات التي جرى بلورتها على مستوى المحور.
وتشير المصادر إلى أن الحزب يتعامل مع الحرب المحتملة على إيران بوصفها حربا تطاله بشكل غير مباشر، سواء عبر استهداف بيئته الإقليمية أو عبر فتح ملفه العسكري والسياسي في لبنان لاحقا. من هذا المنطلق، يرى الحزب أن إعلان الحياد سيكون مقامرة وجودية، لأن نتائج الحرب، مهما كانت، ستنعكس عليه سلبا إذا خرجت إيران منها ضعيفة أو محاصَرة.
في المقابل، يلفت مراقبون إلى أن خطاب قاسم حافظ في الوقت نفسه على قدر محسوب من المرونة، عبر ترك مسألة التوقيت وشكل التدخل مفتوحة، وهو ما يعكس إدراك الحزب لحساسية الوضع اللبناني الداخلي، وحدود قدرة البلاد على تحمل حرب شاملة منذ اليوم الأول.
كيف يفكر الحزب في "اليوم الأول"؟
وفق تقديرات مصادر أمنية لبنانية، فإن حزب الله لا يميل إلى الدخول الفوري والمتزامن مع الضربة الأولى ضد إيران، إلا إذا تبيّن أن الهجوم يتجاوز الضربات المحدودة ويتجه نحو محاولة كسر القدرات الإيرانية بشكل شامل. في هذه الحالة، سيكون الحزب معنيا بالتحرك المبكر لمنع تثبيت معادلات جديدة في الإقليم.
أما في حال جاءت الضربة ضمن سقف محسوب، فإن الحزب قد يفضل اعتماد سياسة المراقبة النشطة، مع تنفيذ خطوات ردعية غير معلنة، والإبقاء على جاهزية كاملة للانتقال إلى التصعيد عند الحاجة. وتؤكد هذه المصادر أن الحزب راكم خلال السنوات الماضية خططا متعددة السيناريوهات، تسمح له بالتحرك السريع من دون الحاجة إلى قرارات ارتجالية، سواء على الجبهة الجنوبية أو في ساحات إقليمية أخرى.
لبنان بين الحسابات الإقليمية وكلفة الحرب
يثير هذا التموضع قلقا واسعا داخل لبنان وخارجه، حيث تخشى عواصم غربية وعربية من أن يؤدي أي انخراط لحزب الله في الحرب إلى جر لبنان مجددا إلى مواجهة مدمرة، في وقت يعاني فيه البلد من هشاشة اقتصادية ومؤسساتية غير مسبوقة. وتذكر المصادر أن رسائل واضحة نُقلت إلى بيروت تحذر من مغبة فتح جبهة جديدة، وتدعو إلى تحييد الساحة اللبنانية عن الصراع الإقليمي.
غير أن هذه التحذيرات تصطدم، بحسب مصادر سياسية لبنانية، بتعنت حزب الله على موقفه القائل بأن تحييد لبنان لن يكون خيارا واقعيا إذا كانت الحرب تستهدف البنية الإقليمية التي يقوم عليها توازن الردع، وأن تأجيل المواجهة قد لا يمنعها بل يجعلها أكثر كلفة لاحقا.
ما بعد التصريحات؟
في المحصلة، تشير المعطيات المتقاطعة من أكثر من مصدر، إلى أن حزب الله انتقل فعليا من مرحلة الصمت الحذر إلى مرحلة التموضع العلني، من دون أن يعلن بعد شكل مشاركته النهائية. هذا التموضع، المتزامن مع مواقف حلفاء إيران في العراق واليمن، يعكس أن "محور إيران" يتصرف على قاعدة أن الحرب، إذا اندلعت، ستكون شاملة في آثارها، حتى لو بدأت بضربة محدودة.
وبينما تواصل واشنطن رفع منسوب التهديد، يتهيأ المحور لمرحلة يعتبرها مفصلية، حيث لم يعد السؤال المطروح داخل غرف القرار: هل ستقع الحرب؟ بل كيف ستُدار، ومن سيدخلها، ومتى؟.