مع تصاعد التهديدات الأمريكية ضد طهران، وانتقالها من مستوى الضغط السياسي إلى الإيحاء بضربة عسكرية وشيكة، بدأ العراق يظهر مجددا بوصفه الساحة الأكثر حساسية لأي مواجهة مقبلة. فخلال الساعات الأخيرة، تتابعت مواقف صادرة عن فصائل مسلحة عراقية فاعلة، عكست انتقالا واضحا من خطاب الدعم السياسي لإيران إلى خطاب الجهوزية الميدانية، مع رسائل مباشرة بأن أي حرب على طهران لن تبقى محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية.
تحشيد تعبوي علني
يعزّز هذا التقدير مضمون الخطاب الصادر أخيرا عن كتائب حزب الله العراقية، والذي انتقل من مستوى التحذير السياسي إلى التحشيد التعبوي العلني. فقد تضمّن دعوات مباشرة للاستعداد لما وُصف بـ"حرب شاملة" في حال تعرضت إيران لهجوم، مع التأكيد على أن أي مواجهة مقبلة لن تكون محدودة أو سهلة، بل ستفتح مسارا دمويا واسعا في المنطقة.
اللافت في هذا الخطاب، بحسب مصادر عراقية متابعة، ليس فقط حدّة اللغة المستخدمة، بل إدخال البعد الديني - الجهادي مجددا إلى معادلة الصراع، من خلال التلميح إلى احتمالات صدور مواقف دينية داعمة للحرب، وما قد يترتب عليها من "أحكام" ترفع سقف الانخراط الميداني، وصولا إلى خيارات قصوى في حال توسّع نطاق المواجهة.
وفي السياق نفسه، تنقل مصادر عن قياديين في فصائل فاعلة، إن موقف هذه القوى من الولايات المتحدة وإسرائيل "محسوم منذ سنوات"، وإن أي استهداف مباشر لإيران، أو لقيادات ومواقع مرتبطة بـ "محور المقاومة"، سيُقابل بردّ لا يقتصر على الساحة الإيرانية وحدها. وتشير المصادر إلى أن الرسالة الأساسية التي أرادت الفصائل إيصالها في هذه المرحلة هي أنها لن تنتظر انتقال النار إلى الداخل العراقي، بل تعتبر نفسها جزءا من مسرح الرد منذ اللحظات الأولى لأي تصعيد كبير.
وترى هذه المصادر أن مثل هذه المواقف تمثّل إشارة إنذار مبكرة لمرحلة قد تشهد تحوّلا نوعيا في دور الفصائل، من حالة الردع الكلامي إلى الاستعداد الفعلي للمشاركة، سواء عبر استهداف الوجود الأمريكي في العراق أو عبر أدوار إسناد أوسع ضمن المعركة الإقليمية المرتقبة.
قرار المشاركة.. جاهزية بلا إعلان رسمي
لكن، ورغم ارتفاع السقف الكلامي للفصائل، تفيد مصادر "إرم نيوز"، بأنه لم يصدر حتى الآن قرار عملياتي موحّد يعلن انخراط الفصائل العراقية المباشر في أي حرب إلى جانب إيران، وتشير إلى أن ذلك لا يعني غياب القرار فعليا. فالمصادر تلفت إلى أن ما جرى الاتفاق عليه هو مبدأ المشاركة المشروطة، أي أن الفصائل تعتبر نفسها جزءا من مسرح المواجهة منذ اللحظة الأولى، لكنها تترك شكل التدخل وتوقيته للظروف الميدانية ومسار الضربة الأمريكية.
وتوضح المصادر أن غرف التنسيق داخل العراق رفعت مستوى الجهوزية منذ أسابيع، وشملت الإجراءات إعادة انتشار محدود، وتحديث خطط الاستهداف، وتوسيع دائرة الرصد المرتبطة بالقواعد والمنشآت الأمريكية.
وبحسب ما تؤكد المصادر، فإن النقاش لم يعد يدور حول "هل نشارك؟" بل حول كيف نشارك وبأي سقف؛ ما يمنع تحويل العراق إلى ساحة حرب مفتوحة منذ اليوم الأول.
ما وراء "حدّة الخطاب"
تتعامل الفصائل العراقية مع أي استهداف لإيران بوصفه خطوة تمهيدية لإعادة تشكيل التوازنات داخل العراق نفسه. فوفق القراءة السائدة داخل هذه القوى، فإن إضعاف طهران يعني فتح الباب أمام ضغوط مباشرة على بغداد، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وصولا إلى تقليص نفوذ الفصائل أو استهداف بنيتها.
مصادر سياسية عراقية قريبة من مراكز القرار تشير إلى أن هذا التصور هو ما يفسر حدة الخطاب الأخير، ومحاولات رفع منسوب الردع مبكرا. وتضيف أن الفصائل تسعى لإيصال رسالة مزدوجة، الأولى إلى واشنطن بأن الحرب لن تبقى داخل إيران، والثانية إلى الداخل العراقي بأن أي تغيير قسري في موازين القوى الإقليمية سيطال العراق حكما.
السلطة المقبلة.. حلقة في مشهد المواجهة؟
في موازاة التصعيد العسكري، تلفت مصادر "إرم نيوز" إلى أن الملف السياسي العراقي لا يمكن فصله عن هذا المشهد. فعودة اسم نوري المالكي إلى الواجهة بقوة، يجري في ظل إدراك إقليمي بأن العراق قد يتحول إلى جبهة متقدمة في الحرب المقبلة.
وتشير المصادر إلى أن طهران، التي تستعد لأسوأ السيناريوهات، لا تريد في بغداد سلطة مترددة أو منقسمة في لحظة الحرب، بل حكومة شريكة، وقادرة في الوقت نفسه على ضبط الداخل ومنع الانفلات الأمني، أو على الأقل تحييد مؤسسات الدولة عن الصدام المباشر مع الفصائل. من هنا، تُقرأ عودة المالكي من باب إعادة ترتيب البيت العراقي تحسبا للمرحلة المقبلة.
ماذا يمكن أن تفعل الفصائل فعليا؟
بحسب مصادر أمنية مطلعة، فإن سيناريو تدخل الفصائل لا يبدأ بالضرورة بضرب أهداف إسرائيلية أو الدخول في مواجهة مفتوحة، بل يرتكز أولا على استهداف الوجود الأمريكي في العراق بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر تأثيرا سياسيا. وتشمل هذه الخيارات استهداف قواعد، أو مصالح لوجستية، أو خطوط إمداد، إضافة إلى الضغط غير المباشر عبر تعطيل الحركة العسكرية الأمريكية.
وتؤكد المصادر أن الفصائل تفضّل حتى اللحظة سياسة الضربات المحسوبة، التي ترفع كلفة الوجود الأمريكي من دون دفع واشنطن إلى رد شامل داخل العراق. لكن هذا السقف يبقى مرهونا بحجم الضربة الأمريكية ضد إيران، وطبيعة الأهداف التي ستُستهدف.
واشنطن تراقب
في المقابل، تقول مصادر دبلوماسية إن واشنطن تتعامل بجدية متزايدة مع هذه التهديدات، وتعتبر أن العراق قد يشهد موجة استهداف مبكرة في حال اندلاع الحرب. وتضيف المصادر أن الرسائل الأمريكية الأخيرة، العلنية وغير العلنية، تهدف إلى ردع الفصائل مسبقا، عبر التلويح بأن أي هجوم على المصالح الأمريكية سيُقابل برد مباشر.
كما تشير المعلومات إلى أن القوات الأمريكية في العراق رفعت مستوى التأهب، وفعّلت خطط حماية وإخلاء، وبدأت بمراجعة سيناريو "اليوم الأول"، الذي يفترض تعرض قواعدها لهجمات متزامنة. ووفق هذه القراءة، فإن واشنطن لا تستبعد أن تكون الساحة العراقية أول مسرح اختبار لقواعد الاشتباك الجديدة في حال اندلاع الحرب مع إيران.
وتخلص المصادر إلى أن العراق يقف اليوم أمام مفترق بالغ الخطورة. فالفصائل ترفع الجهوزية وتربط مصيرها بمصير إيران، فيما تحاول الحكومة تجنب الانزلاق إلى مواجهة لا تملك قرارها الكامل. أما واشنطن؛ فتتحرك على خط الردع والضغط، مدركة أن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.