logo
العالم العربي
خاص

أزمة الحكومة اليمنية تتعمق.. العليمي يعيد تشكيل السلطة على حساب الجنوب

رشاد العليميالمصدر: (أ ف ب)

دخلت الأزمة الحكومية في اليمن طورًا أكثر تعقيدًا مع تكليف وزير الخارجية شائع الزنداني بتشكيل حكومة جديدة.

واعتُبرت هذه الخطوة داخل الأوساط السياسية، حلقة إضافية في مسار متصاعد يقوده رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لإعادة ضبط موازين السلطة داخل المجلس، بعيدًا عن الصيغة التوافقية التي وُلد عليها المجلس.

بلا سياق تشاوري

ويقول مصدر دبلوماسي غربي يعمل ضمن بعثة أوروبية معنية بالملف اليمني، إن الطريقة التي أُدير بها التغيير الحكومي "تعكس نزعة متنامية لتركيز القرار داخل دائرة ضيقة، من دون اعتبار كافٍ لتوازنات مجلس القيادة".

ويضيف المصدر لـ"إرم نيوز"، أن القلق في العواصم الغربية لا يرتبط بشخص رئيس الوزراء سالم بن بريك بقدر ما يرتبط بـ"تآكل المنهج المؤسسي"، معتبرًا أن غياب المشاورات المعلنة وسرعة القبول والتكليف يرسّخان صورة سلطة تُدار بإيعازات خارجية، تهدد بنسف ما تبقى من استقرار داخل الملف اليمني دون وجود أي رؤية وطنية جامعة.

أخبار ذات علاقة

رشاد العليمي و سالم بن بريك

إقالة بن بريك.. العليمي يبدأ معركة "تصفية الحسابات" مع "الانتقالي الجنوبي"

ويتابع المصدر، أن "الشركاء الدوليين ينظرون إلى مجلس القيادة كإطار هش بطبيعته، وأن أي خطوة تُفهم على أنها إقصاء لطرف فاعل ستضعف قدرة هذا الإطار على الصمود سياسيًا".

ولفت إلى أن "إدارة الخلاف بهذه الطريقة داخل أعلى سلطة تنفيذية تبعث برسائلها إلى الخارج بأن التوافق لم يعد أولوية، ولا إمكان للحفاظ عليه أو الاهتمام به، كما يحذر الدبلوماسي من أن استمرار هذا المسار سيصعّب الدفاع عن شرعية المجلس في المحافل الدولية".

وأشار المصدر، إلى أن "الإرباك الذي رافق التغيير الحكومي سيُثير تساؤلات جدية داخل الدوائر الأوروبية حول قدرة السلطة الحالية على إدارة ملفات أكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها المسار التفاوضي المستقبلي حول أزمات الملف اليمني، لا سيما ملف الجنوب".

ويوضح أن المشكلة، من وجهة نظر غربية، "تتعلق بغياب مؤشرات واضحة على وجود آلية مؤسسية لاتخاذ القرار، الأمر الذي يضعف ثقة المانحين ويجعل الالتزامات السياسية والاقتصادية عرضة للتقلب".

وخلص المصدر، إلى أن "استمرار هذا النمط سيجعل من الصعب التعامل مع حكومة العليمي كشريك مستقر، لأن الاستقرار في نظر الخارج يُقاس بقدرة السلطة على إدارة اختلافاتها دون كسر بنيتها من الداخل".

حكومة بلا توازنات

وعلى الضفة المقابلة، يرى مصدر سياسي جنوبي أن ما جرى "لا يمكن فصله عن مشروع سياسي واضح يقوده العليمي لتفريغ الشراكة من مضمونها".

ويشرح المصدر لـ"إرم نيوز"، أن "استقالة سالم بن بريك لم تكن سوى مدخل لإعادة ترتيب الحكومة على نحو يقلّص قدرة القوى الجنوبية على التأثير في القرار التنفيذي".

واعتبر أن "اختيار الزنداني يعكس رغبة في تشكيل حكومة أقل احتكاكًا برئاسة المجلس وأكثر قابلية لتمرير توجهاته، وخصوصًا في الملفات المالية والسيادية"، مؤكّدًا أن ما يحدث يشبه "تحويل التوافق إلى غطاء شكلي لقرارات أحادية".

وأشار المصدر، إلى أن "أخطر ما في المسار الحالي لا يكمن في إزاحة شخصية اعتبارية مثل بن بريك، وإنما في إعادة تعريف دور الحكومة نفسها، والتي لم تعد تعتبر نفسها شريكًا سياسيًا مع القوى الجنوبية".

ولفت إلى أن "هذا التحوّل يضرب جوهر الصيغة التي أُعلن عنها عند تشكيل مجلس القيادة، حيث جرى التسويق له كإطار تشاركي لإدارة مرحلة انتقالية معقّدة، وليس كسلطة تُدار بتوازنات مؤقتة سرعان ما يُجري الانقلاب عليها".

كلفة سياسية متراكمة

وتتجاوز تداعيات هذه القرارات حدود الخلاف الداخلي لتطال علاقة السلطة بشركائها الدوليين.

وبحسب ما ذكرت مصادر "إرم نيوز"، فإن "أي إضعاف متعمد لأطراف تمتلك حضورًا ميدانيًا وسياسيًا سيجعل الحكومة المقبلة أقل قدرة على فرض نفسها كطرف موثوق. فالغرب لا يبحث عن حكومة منسجمة شكليًا، بل عن سلطة قادرة على إدارة التوازنات المعقدة في بلد منقسم".

إنتاج نموذج القيادة الفردية

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن سلوك العليمي "يعيد إنتاج نموذج القيادة الفردية، وإن بلباس توافقي، وهو نموذج أثبت فشله في التجربة اليمنية".

وتضع هذه التطورات الجنوب أمام مفترق حساس، فتهميش الشراكة داخل الحكومة سيدفع القوى الجنوبية إلى إعادة تقييم موقعها من جديد، والبحث عن خيارات أخرى وضمانات فعلية لدورها.

من جانبه، يرى الباحث السياسي جوناثان ماك أليستر، المختص في ديناميات السلطة في النزاعات المركّبة، أن "ما يجري في اليمن يمكن وصفه كخلل خطير في إدارة المرحلة الانتقالية، وتحوّل في العقل السياسي الحاكم داخل مجلس القيادة. ويشير إلى أن الخطورة تكمن في غياب تصور واضح لوظيفة هذا التركيز".

ويضيف خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن "التجارب المقارنة في بيئات نزاع مشابهة تُظهر أن السلطة التي تعيد تعريف نفسها من خلال إقصاء الشركاء تؤسس لنمط حكم قصير النفس، يعتمد على ضبط اللحظة دون القدرة على إدارة الزمن السياسي".

ووفق تحليله، فإن العليمي يواجه "أزمة ثقة" مع البنية التي يفترض أن يستند إليها، لأن السلطة التي تُفرغ آليات التوازن من معناها تفقد قدرتها على إنتاج شرعية مستدامة، حتى وإن احتفظت بالاعتراف الشكلي.

مركزية بلا نفوذ

بدوره، يذهب المحلل السياسي مروان قنديل، إلى أن "جوهر الأزمة اليمنية الراهنة يتمثل في انفصال متزايد بين السلطة وتمثيلها السياسي".

ويشرح قنديل خلال حديثه لـ"إرم نيوز"، أن "القرارات الأخيرة تكشف عن خلل عميق في فهم معنى الحكم التوافقي داخل مجتمعات منقسمة مثل المجتمع اليمني".

أخبار ذات علاقة

عيدروس الزبيدي خلال فعالية في الضالع

رشاد العليمي يصدر أمرا بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي من مجلس القيادة اليمني

ويضيف أن "تجاهل الوزن السياسي والاجتماعي للجنوب لن يضعف شريكًا بعينه، ولكنه سيعيد إنتاج مركزية هشّة، عاجزة عن تحويل السيطرة إلى نفوذ فعلي".

وبرأيه، فإن "السلطة التي تتعامل مع التعدد باعتباره تهديدًا تحكم على نفسها بالبقاء في حالة إدارة أزمات دائمة، لأن الاستقرار يُبنى عبر إدماج القوى القادرة على تمثيل جماعاتها".

ويختم قنديل بالقول، إن "اليمن يحتاج إلى سلطة أكثر فهمًا لتعقيد المجتمع الذي تحكمه، وإلى إدراك أن تهميش الفاعلين المؤثرين يطيل الطريق ويزيد كلفته".

logo
تابعونا على
جميع الحقوق محفوظة © 2025 شركة إرم ميديا - Erem Media FZ LLC