يقترب البرلمان العراقي من استحقاق انتخاب رئيس الجمهورية، وسط تباين واضح بين نجاح القوى السياسية في حسم بعض الملفات، وتعثرها في ملفات أخرى أكثر تعقيدًا، خصوصًا تلك المرتبطة بالبيت الكردي وتقاطعاته الداخلية والإقليمية.
ونجحت الكتل السياسية، خلال الجلسة الأولى لمجلس النواب، في تمرير استحقاق رئاسة البرلمان بسلاسة نسبية، بعد تفاهمات سبقت انعقاد الجلسة وأسهمت في تقليص عدد المرشحين، ما أتاح انتخاب رئيس المجلس من الجولة الأولى، في مؤشر على قدرة الأغلبية السياسية على إدارة التوافق، وضبط الخلافات ضمن سقف زمني محدد.
وهذا النموذج، الذي أفضى إلى حسم رئاسة البرلمان دون انزلاق نحو تعطيل طويل، أعاد إلى الواجهة سؤال "آليات الحسم" داخل العملية السياسية، خصوصًا مع انتقال الأنظار إلى ملف رئاسة الجمهورية، الذي يعد أكثر تعقيدًا من حيث الشروط الدستورية وطبيعة التفاهمات المطلوبة.
وتبدو الخلافات داخل البيت الكردي العامل الأبرز في تأخير حسم منصب رئاسة الجمهورية، إذ لم ينجح حتى الآن الحزبان الكرديان الرئيسان، (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني) في التوصل إلى اتفاق على مرشح موحد، وهو ما يجعل أي تصويت برلماني محكومًا برغبات النواب في ظل اشتراط الدستور الحصول على أغلبية الثلثين.
بدوره، قال الباحث السياسي والأكاديمي غالب الدعمي إن "تدخل الفواعل السياسية الشيعية في الملف الكردي أقل بكثير من تدخلها في الملف السني، وينخفض هذا التدخل كلما اقترب الحزبان الكرديان من الاتفاق".
وأضاف الدعمي لـ"إرم نيوز" أن "اتفاق الحزبين على مرشح واحد يعني تمريره في الجلسة الأولى، بينما استمرار الخلاف قد يؤدي إلى تأجيل انتخاب رئيس الجمهورية لأكثر من جلسة"، مشيرًا إلى أن "الحزب الديمقراطي ألمح، بشكل غير مباشر، إلى إمكانية التخلي عن مرشح رئاسة الجمهورية مقابل ضمانات تتعلق بتشكيل حكومة إقليم كردستان وتجديد الولاية لكل من مسرور بارزاني ونيجيرفان بارزاني".
وتؤشر هذه القراءة إلى طبيعة تعاطي الإطار التنسيقي مع الملف الكردي، إذ يتركز الدور عند حدود الدعم أو التعطيل التقني داخل البرلمان، من دون الذهاب نحو فرض خيارات سياسية، بخلاف ما جرى في الملف السني الذي شهد تدخلًا أوسع في مراحل سابقة لضبط مسار التوافق.
بدوره، قال المحلل السياسي علي السامرائي إن "كواليس السياسة العراقية اعتادت استحضار مختلف الألوان والأنماط لصياغة شخصية رئاسية تحظى بقبول الكتل السياسية والفاعل الخارجي، بما يضمن استكمال أجنحة السلطات ضمن المدد الدستورية".
وأضاف السامرائي لـ"إرم نيوز" أن "المشهد الحالي يتسم بدرجة عالية من التعقيد، لا سيما مع تداخل ملف رئاسة الجمهورية مع انعكاسات المتغيرات الدولية، التي بات لها حضور أوضح مقارنة بالدورات السابقة".
وأوضح أن "المزاج العام يتجه نحو خفض سقف المطالب للحفاظ على المنصب ضمن مساره التقليدي، في ظل إدراك محدودية الخيارات المتاحة".
وتأتي هذه التطورات في وقت تترقب فيه الأوساط السياسية إعلان مجلس النواب موعد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، باعتبارها المحطة الدستورية الأخيرة قبل الشروع العملي بتكليف رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة، وهي مرحلة تتطلب قدرًا أعلى من التوافق لتفادي الدخول في دوامة تعطيل طويلة.
ومع اقتراب انتهاء المهلة الدستورية، تبقى عملية الحسم مرهونة بقدرة الأطراف الكردية على إنتاج تفاهم داخلي، يفتح الباب أمام توافق أوسع داخل البرلمان، ويضع حدًا لحالة الانتظار التي تسيطر على المشهد السياسي، من دون أن يُظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على اتجاه واحد نهائي.
وكانت النائبة عن كتلة الاتحاد الوطني الكردستاني، أحلام رمضان، أكدت أن "المفاوضات الكردية بشأن منصب رئاسة الجمهورية ما تزال مستمرة، سواء المعلنة منها أم غير المعلنة، وستتواصل حتى اللحظات الأخيرة من جلسة انتخاب الرئيس".
وأوضحت رمضان في تصريح صحفي، أن "الحزبين الكرديين لا يزالان متمسكين بالحصول على منصب رئيس الجمهورية، رغم أن المنصب يعد من استحقاق الاتحاد الوطني الكردستاني وفقًا للاتفاق السياسي الذي تأسست عليه العملية السياسية".