تثير الاعتقالات المتكررة للمفطرين في نهار رمضان جدلاً واسعاً في العراق، مع تجدد حملات المتابعة الأمنية في عدد من المحافظات، بين من يراها حماية لحرمة الشهر الفضيل وصوناً للنظام العام، وبين من يعدها توسعاً في تطبيق أوامر إدارية على حساب ضمانات دستورية تتعلق بحرية المعتقد والاختيار الشخصي.
ومع حلول شهر رمضان، أصدرت وزارة الداخلية توجيهاً يقضي بمنع الإجهار بالإفطار خلال ساعات الصيام في جميع الأماكن العامة، مؤكدة أن القرار يشمل المواطنين والمقيمين الأجانب على حد سواء، وذلك احتراماً لحرمة الشهر ومنعاً لما وصفته بالإساءة لمشاعر الصائمين.
كما تضمن التوجيه إغلاق المطاعم والكافيهات والمقاهي والنوادي الاجتماعية خلال أوقات الصيام، مع السماح بعملها بعد موعد الإفطار، مشددة على أن فرقاً تفتيشية ستتولى متابعة تنفيذ الإجراءات ميدانياً بالتنسيق مع الحكومات المحلية والأجهزة ذات العلاقة.
وخلال الأيام الأولى من الشهر، أعلنت قيادات شرطية في محافظات جنوبية عن تنفيذ حملات لمتابعة الأسواق والأماكن العامة، أسفرت عن توقيف عشرات الأشخاص بتهمة المجاهرة بالإفطار في محافظات النجف، والبصرة، وبغداد، فضلاً عن إغلاق عدد من المطاعم والمحلات التي تقدم الطعام نهاراً.
جرائم مشهودة
في هذا السياق، أوضح الخبير القانوني علي التميمي لـ"إرم نيوز" أن "الأساس الذي يجري الاستناد إليه في هذه الإجراءات يتمثل في المادة 240 من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل، والتي تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر أو بالغرامة كل من خالف أمراً صادراً من جهة مختصة ضمن صلاحياتها القانونية".
وبيّن التميمي أن "المنع يقتصر على النهار وفي الأماكن العامة، ويشمل العراقيين والأجانب على حد سواء، لكون الدولة – وفق المادة الثانية من الدستور – لا تجيز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام"، مؤكداً أن "التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية تندرج ضمن صلاحياتها في حفظ النظام العام وتنفيذ القوانين".
وأضاف أن "هذه الأفعال تعد – وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية من الجرائم المشهودة إذا تمت مشاهدتها حال ارتكابها، ما يتيح القبض الفوري على مرتكبها وإحالته إلى القضاء، مع إمكانية إطلاق سراحه بكفالة لاحقاً، على أن تبقى الدعوى قائمة أمام محكمة الجنح".
قلق من توسع الاعتقالات
في المقابل، يرى ناشطون حقوقيون أن المسألة تحتاج إلى مقاربة أكثر توازناً، تأخذ بنظر الاعتبار طبيعة المجتمع العراقي المتعدد دينياً ومذهبياً، فضلاً عن وجود آلاف العمال الأجانب المقيمين في البلاد، وكثير منهم غير مسلمين أو غير ملزمين بالصوم شرعاً.
ويشير هؤلاء إلى أن التعامل مع حالات المجاهرة بالإفطار باعتبارها ملفاً أمنياً خالصاً قد يضع بعض الفئات في موقع الاشتباه المسبق، من دون التحقق الكافي من خلفياتهم الدينية أو أوضاعهم القانونية.
وقال الناشط في مجال حقوق الإنسان وسام العبدالله إن "الاستناد إلى نصوص عامة لمعاقبة سلوك لم يُنص على تجريمه صراحة يثير إشكاليات دستورية وقانونية، لاسيما في ظل وجود مواد واضحة تكفل حرية الفكر والضمير والمعتقد".
وأضاف العبدالله لـ"إرم نيوز أن "احترام شهر رمضان ينبغي أن يعزز بالوعي المجتمعي والتثقيف، وليس عبر حملات توقيف جماعي قد تطال أشخاصاً لديهم أعذار شرعية أو ينتمون إلى ديانات أخرى"، داعياً إلى "تنظيم المسألة عبر تعليمات واضحة تراعي خصوصية المجتمع العراقي وتعدديته، من دون المساس بكرامة الأفراد أو تحويل الملف إلى مساحة صدام بين الدولة والمجتمع".
ويؤكد متابعون أن بعض الشكاوى التي ترد من مواطنين أو مقيمين تتعلق بصعوبة إقناع الجهات المنفذة بوجود عذر شرعي، كحال المرض أو السفر أو الظروف الصحية الخاصة، لاسيما في ظل إجراءات ميدانية سريعة تُتخذ أحياناً في الشارع أو السوق، قبل التثبت من التفاصيل.
كما يلفتون إلى أن الأجواء العامة التي ترافق الحملات، بما فيها تصوير بعض الموقوفين أو تداول أخبار التوقيف على نطاق واسع، قد تولد شعوراً بالوصم الاجتماعي، حتى قبل حسم المسألة قضائياً.
وينص الدستور العراقي في أكثر من مادة على صون الحريات العامة وحفظ كرامة الإنسان، إذ تؤكد مواده المتعلقة بالحقوق والحريات على ضمان حرية الفكر والضمير والمعتقد، وعدم جواز الإكراه في الدين، إلى جانب كفالة المساواة أمام القانون من دون تمييز بسبب الدين أو المذهب أو القومية أو أي اعتبار آخر.