حدّد الاتحاد الأوروبي بوصلة انخراطه في "مجلس السلام" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسمياً من منتدى دافوس، معتبراً أن غزة يجب أن تكون "العنوان والهدف" لأي تحرك مقبل.
وفي هذا السياق، صرحت منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، بأن انضمام القادة الأوروبيين لهذه المبادرة مرهون باقتصار نطاق تركيز المجلس على ملف غزة.
التصريح يعبر، وللمرة الأولى، عن موقف أوروبي مشترك بدا متردداً منذ الإعلان عن المبادرة، عبر ترحيب حذر ممزوج بالقلق من المسار الذي قد تسلكه هذه الآلية لاحقاً.
ويشير محللون سياسيون إلى أن تردد أوروبا، المعروفة بنهجها البيروقراطي البطيء، نابع من خشيتها أن يسجل المجلس سابقة في العلاقات الدولية يصعب معها احتواء التداعيات، بحيث يتدخل في نزاعات معقدة من دون رؤى ومرجعيات واضحة.
ويرى المحللون أن زعماء القارة لا ينظرون إلى المبادرة، كما تُطرح في الأروقة السياسية، بوصفها إطاراً محدوداً لمعالجة أزمة قطاع غزة، وهذا موضع تقدير، بل كمؤشر محتمل على انقلاب في أسلوب إدارة النظام الدولي، بحيث يغدو المجلس الذي يعتزم الانخراط في أزمات عالمية أبعد من القطاع، بديلاً عن الدبلوماسية الأممية التقليدية ومؤسساتها المعروفة.
ويعتبر المحللون أن العواصم الأوروبية تتعامل مع ملف غزة باعتباره حالة خاصة تستدعي مثل هذه الصيغة، و"نطاقاً آمناً ومطلوباً" للمشاركة في المجلس، لكن لا تصلح بالضرورة كنموذج ناجع قابل للتكرار في نزاعات أخرى.
وتستند هذه المقاربة الأوروبية، بحسب المحللين، إلى 3 عوامل رئيسة، أهمها وجود تفويض من مجلس الأمن لدور المبادرة في غزة، يمنح التكتل الأوروبي مظلة قانونية تسمح له بالمشاركة من دون الطعن في التزامه بشرعية الأمم المتحدة.
العامل الثاني يتمثل في الإجماع الأوروبي النسبي حول غزة؛ فالحكومات الأوروبية، ورغم بعض التباينات، تتفق على ضرورة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتخفيف الكارثة الإنسانية، ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية، ومثل هذا الإجماع قد لا يتحقق حيال نزاعات أخرى قد ينخرط فيها المجلس المنتظر.
أما العامل الثالث، فيكمن في طبيعة مهمة "مجلس السلام" المعلنة، أي إعادة الإعمار في غزة، وتكثيف وتنسيق المساعدات الإنسانية، وإدارة مرحلة انتقالية تفضي إلى استقرار مستدام، وهي مهمات لا يمكن لأوروبا الاعتراض عليها.
وطبقاً لهذا التصور، يشدد الخبراء على أن بروكسل لا ترى في مطلب حصر مهمة مجلس السلام بغزة انتقاصاً من المبادرة، أو تقليلاً من قيمتها، بل محاولة لضبط مسار "البوصلة"، بحيث يكون المجلس مجدياً في نطاق جغرافي محدد.
وينظر الأوروبيون بكثير من الشك إلى الإشارات الواردة في ميثاق المجلس الذي يطمح إلى أدوار أوسع تشمل "المساهمة في حل نزاعات أخرى حول العالم"، فضلاً عن غزة؛ فهذا البند، وكما يقول الخبراء، يفتح الباب على المجهول، ويضعف حماسة الأوروبيين في "التوقيع على بياض"، دون معرفة دقيقة بمستقبل عمل المجلس، وأي النزاعات سيتصدى لها، وأين تقف حدوده ونفوذه ودوره.
وتشير مراكز أبحاث أوروبية إلى أن آليات دولية تظهر لغرض محدد، كما هو الحال بالنسبة لهذا المجلس، ثم تتوسع من دون ضوابط، قد تساهم في ازدواجية الشرعية، وتقوض دور الأمم المتحدة كمرجعية لحل النزاعات.
وتتعزز مثل هذه المخاوف لدى الأوروبيين حين يقترن التوسع المحتمل بشخصية دونالد ترامب، المعروف بـ"مزاجيته"، وتفضيله الصفقات السريعة بدلاً من التوافقات المدروسة، خصوصاً وأن التحالف عبر الأطلسي يشهد حالياً "أزمة ثقة" على خلفية ملفات متراكمة تمتد من أوكرانيا إلى غرينلاند.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي لا ينظر بعين الرضا إلى الأمم المتحدة، لكن هذه المنظمة تظل التعبير الأمثل عن نوع من "المساواة والحياد" في معالجة الأزمات.
ويلفت الخبراء إلى أن أحد مفاتيح فهم الموقف الأوروبي من مجلس السلام هو أوكرانيا؛ فرغم أن غزة تحظى بالاهتمام، لكن الملف الأوكراني يهيمن على الحسابات الأوروبية، فالحرب المندلعة منذ نحو 4 سنوات، ليست نزاعاً هامشياً بل تمس صميم الأمن الأوروبي.
من هنا، فإن أي حديث عن دور محتمل لمجلس السلام خارج غزة يثير مخاوف وتساؤلات لدى الأوروبيين حول إمكانية أن يتحول المجلس إلى قناة تفاوض موازية بشأن أوكرانيا، وقد يستخدم لتجاوز التحالف الأوروبي الأمريكي القائم، ناهيك عن منح روسيا منصة مجانية لترسيخ سرديتها.
ومثلت الدعوة الموجهة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين للانضمام إلى المجلس جرس إنذار في العواصم الأوروبية؛ فموسكو في العرف الأوروبي هي "تهديد لا ينبغي التهاون معه".
وإلى جانب هذه الاعتراضات السياسية التي تجعل الأوروبيين يتمسكون بمطلب أن تكون غزة تحديداً هي الغاية، ثمة إجراء تقني لا يقل حساسية وأهمية وهو ربط العضوية الدائمة في المجلس بدفع مليار دولار.
هذا البند أثار انتقادات واسعة في الإعلام الأوروبي، حيث اعتُبر خروجاً صريحاً عن مبدأ المساواة، وتعارضاً مع المنظور الأوروبي الذي يرى أن الشرعية تُستمد من القانون، لا من المال، كما أنه قد يؤسس لسابقة خطيرة: "الدفع مقابل النفوذ"، وهي معادلة مجحفة بحق كثير من الدول الناشئة التي لا تملك اقتصاداً قوياً.
ويطرح المراقبون، هنا، تساؤلاً: لماذا لا تتخذ أوروبا قراراً حاسماً برفض الانضمام إلى المجلس في ظل هذه التحفظات، بدلاً من التردد أو الانتظار؟
ويشرح الخبراء بأن هذا الموقف الأوروبي المتأرجح بين القبول المشروط والرفض الخجول نابع من حسابات دقيقة؛ فالاتحاد الأوروبي لا يريد الظهور بمظهر المعطل لأي جهد سلام، كما أنه لا يرغب في صدام مباشر مع واشنطن، خصوصاً في ظل ملفات عالقة تستلزم علاقات هادئة لمعالجتها.
علاوة على ذلك، تدرك القارة العجوز أن استبعاد نفسها، بشكل حاسم، عن أي مبادرة، قد يسهم في تهميشها ويمنح أدواراً أقوى للمنافسين والخصوم كروسيا والصين.
ويشدد الخبراء على أن الموقف الأوروبي لا يعكس عداءً لمبادرة السلام، بل خوفاً من أن يتحول الحل المؤقت إلى سابقة دائمة، تكرّس منطق القوة الفردية، ويمكن التذكير هنا بالحقبة النازية التي دمرت أوروبا، إذ قاد الزعيم الأوحد هتلر القارة بأكملها إلى حرب شاملة.
ومن وسط حطام الحرب العالمية الثانية تبلور مشروع أوروبي رافض للزعامة الفردية، وقائم على تقييد السلطة بالقانون، لمنع تكرار سيناريو ترك القرار المصيري في يد شخص واحد، مهما كانت قوته أو شرعيته.
ويرى خبراء أن ثمة مسارات عملية قد تشجع أوروبا على المشاركة وتضييق الهوة مع الجانب الأمريكي، كأن يتم تحصين تفويض المجلس قانونياً، أي التأكيد على أن أي توسيع مستقبلي لوظائف المجلس يجب أن يمر عبر توافق أممي.
ويمكن كذلك تليين الموقف الأوروبي عبر إشراك التكتل في القيادة، أو اعتماد رئاسة جماعية، وتعزيز الشفافية وآليات الرقابة، وهو ما سيُضعف الانطباع بأن المجلس أداة بيد رئيس واحد، وهو ترامب.