أثار إقرار المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، فشل جهود وساطتها للتوصل إلى توافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة تساؤلات حول ما إذا كان ذلك يقوض فرص تنظيم انتخابات عامة في البلاد هذا العام.
وتتحدث دوائر سياسية في ليبيا منذ فترة عن إمكانية تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أبريل/نيسان المقبل، لكن فشل جهود البعثة الأممية وضع ذلك على محكّ حقيقي.
وقبل أشهر أطلقت البعثة الأممية الحوار المهيكل في مسعى لإحداث اختراق في المشهد السياسي.
وقال المحلل السياسي الليبي، إلياس الباروني، إن "فشل الوساطة الأممية في تحقيق اختراق حقيقي في الأزمة الليبية لا يعني بالضرورة تبخر آمال الانتخابات بشكل كامل، لكنه يكشف بوضوح أن إجراء انتخابات هذا العام أصبح رهينة لتعقيدات بنيوية عميقة، تتجاوز مجرد التعثر التقني أو الإجرائي، وتمس جوهر الصراع على السلطة ومصادر الشرعية في ليبيا".
وقال: "يجب فهم أن الوساطة الأممية لم تفشل فقط بسبب ضعف أدواتها، بل لأنها اصطدمت بحقيقة سياسية مفادها أن الأطراف الليبية الرئيسية لا تزال ترى في الوضع القائم خياراً أكثر أماناً من مغامرة الانتخابات".
وأشار إلى أن "الانتخابات في السياق الليبي ليست مجرد استحقاق ديمقراطي، بل هي عملية إعادة توزيع شاملة للسلطة والنفوذ والثروة، وهو ما يثير مخاوف حقيقية لدى النخب السياسية والعسكرية التي بنت نفوذها خلال سنوات الانقسام".
لذلك؛ فإن التعثر الأممي يعكس في جوهره غياب الإرادة السياسية المحلية، أكثر مما يعكس قصوراً أممياً صرفاً".
وأضاف، لـ"إرم نيوز"، أن "فشل الوساطة الأممية يعكس أزمة أعمق تتعلق بتآكل شرعية الأجسام السياسية القائمة، فكل من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة يواجهان أزمة ثقة شعبية متصاعدة، لكنهما في الوقت ذاته يخشيان نتائج انتخابات قد تنهي وجودهما أو تعيد تشكيلهما بشكل جذري".
وأوضح أن "هذا التناقض يخلق ما يمكن وصفه بمعادلة الجمود المتعمد حيث يتم القبول بخطاب الانتخابات نظرياً، مع تعطيلها عملياً عبر الخلافات القانونية والدستورية".
وبين أن "الانقسام التنفيذي يمثل أحد أبرز العوائق، ووجود حكومتين متنافستين، إحداهما في طرابلس والأخرى في الشرق، يجعل من الصعب توفير بيئة سياسية وأمنية موحدة لإجراء الانتخابات".
وقال إن "الانتخابات تتطلب سلطة تنفيذية موحدة تشرف على العملية وتضمن نتائجها، وهو شرط لم يتحقق حتى الآن. بل إن بعض الأطراف ترى في الانتخابات تهديداً لمواقعها الحالية، ما يجعلها أقل استعداداً لتقديم تنازلات".
وشدد على أن "هناك عاملا دوليا لا يمكن تجاهله، فالمجتمع الدولي، رغم تأكيده العلني على دعم الانتخابات، يبدو في الواقع أكثر اهتماماً بالحفاظ على الاستقرار النسبي وضمان استمرار تدفق النفط ومنع الانهيار الأمني، حتى لو كان ذلك على حساب تأجيل الانتخابات".
وأضاف قائلا: "بمعنى آخر، هناك انتقال تدريجي من سياسة فرض الانتخابات كحل سريع إلى سياسة إدارة الأزمة ومنع تفاقمها، وهو تحول يعكس نوعاً من الواقعية السياسية، لكنه يطيل عمر المرحلة الانتقالية".
يشار إلى أنّ ليبيا تعاني من انسداد سياسي مستمر منذ انهيار الانتخابات العامة التي كان من المفترض إجراؤها في الرابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول من العام 2021.
واعتبر المحلل السياسي الليبي، خالد محمد الحجازي، أنّ "بعد فشل الوساطة الأممية، أصبحت آمال الليبيين في إجراء الانتخابات هذا العام مهددة، خاصة مع استمرار الانقسامات بين الأطراف السياسية. فالوضع الحالي يشهد تعقيدات كبيرة، حيث لا تزال هناك خلافات حادة حول الإجراءات الواجب اتباعها لإجراء انتخابات نزيهة وآمنة".
وأبرز الحجازي، في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن "التحديات التي تواجهها الوساطة الأممية تتضمن عدم الثقة بين الأطراف، والتأجيلات المتكررة للانتخابات، بالإضافة إلى الوضع الأمني الهش في بعض المناطق، مما يعوّق القدرة على تأمين بيئة ملائمة للاقتراع.
وتابع يقول: "هذه العقبات جعلت كثيرين يشعرون بالإحباط من إمكانية إجراء الانتخابات في المستقبل القريب".
واستدرك قائلا: "لكن رغم هذه التحديات، لا يزال الأمل قائمًا في بعض الجوانب. الضغط الشعبي والدولي على الأطراف الليبية قد يكون دافعًا نحو التوصل لتسوية سياسية تفضي إلى الانتخابات. الشعب الليبي لا يزال متمسكًا بحقوقه في اختيار حكومته من خلال صناديق الاقتراع، وهذا الإصرار قد يكون دافعًا لتحقيق التغيير".
ولفت الحجازي إلى أنه "رغم كل التحديات الحالية، تبقى الفرصة قائمة لإجراء الانتخابات في حال تم التوصل إلى اتفاق سياسي يضمن بيئة آمنة وشفافة. الإرادة الشعبية والدولية قد تكون المفتاح لتحقيق هذا الاستحقاق، حتى لو تأخرت في البداية".