في خضم مفاوضات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، يعود ملف المحاصصة السياسية إلى الواجهة باعتباره أحد أكثر الإشكاليات رسوخا في بنية النظام السياسي منذ عام 2003، وسط مؤشرات على أن الترتيبات الجارية لا تخرج كثيراً عن الأطر التقليدية التي حكمت تشكيل الحكومات السابقة.
وبعد انتخابات وُصفت من حيث النسبة بالمقبولة مقارنة بدورات سابقة، سادت توقعات بحدوث تغيير في السلوك السياسي وآليات إدارة السلطة، غير أن الوقائع اللاحقة أظهرت، بحسب باحثين ومراقبين، استمرار الأعراف ذاتها التي تقوم على تقاسم النفوذ والحقائب بين القوى المتنافسة، أكثر من الذهاب نحو الإصلاح الشامل.
وقال الباحث في الشأن السياسي علي ناصر، إن "الانتخابات الأخيرة، ورغم نسبة المشاركة التي بلغت 56.11%، لم تترجم إلى تغيير حقيقي في النهج السياسي أو في طبيعة إدارة الدولة”، مشيرا إلى أن “المحاصصة لا تزال متجذرة داخل مؤسسات الدولة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي، وهو ما يضغط على المشهد العام في المرحلة المقبلة".
وأضاف ناصر لـ"إرم نيوز" أن "العراق يبدو وكأنه منفصل عن التغيرات الجيوسياسية العميقة التي تشهدها المنطقة، في ظل استمرار نخب سياسية جثمت على مفاصل الدولة؛ ما يجعل النتائج المقبلة وخيمة، ويحد من قدرة أي حكومة جديدة على تحقيق إنجازات حقيقية طالما بقيت المحاصصة هي الإطار الحاكم".
ويستند هذا التوصيف إلى طبيعة النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003، حيث جرى اعتماد التوافق والمحاصصة كآلية لإدارة التنوع السياسي والمجتمعي، وهي صيغة يرى مختصون أنها تحولت مع مرور الوقت إلى عرف دائم أعاق تطور الدولة ومؤسساتها.
وتبرز في هذا الإطار إشكالية أخرى تتمثل في رفض معظم القوى السياسية الذهاب إلى خيار المعارضة، حيث تسعى الأحزاب، كبيرة كانت أم صغيرة، إلى ضمان موطئ قدم داخل السلطة التنفيذية؛ ما يدفع بعضها إلى تشكيل تحالفات ظرفية هدفها الأساس الحصول على وزارة أو أكثر، ثم إدارتها بمنطق تقاسم النفوذ والمكاسب.
بدوره، أوضح رئيس مؤسسة "دستورنامة" للدراسات الديمقراطية كاظم ياور أن "المحاصصة كان يمكن تبريرها خلال دورة أو دورتين انتخابيتين بعد 2003، لأسباب تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية، لكن استمرارها بعد ست دورات انتخابية خلق بنية سياسية ضعيفة، تركز على حماية مصالح الأحزاب والفئات المتنفذة بدل إنتاج سياسات عامة تخدم المجتمع".
وأشار ياور لـ"إرم نيوز" إلى أن "الخلافات المتكررة وتأخر تشكيل الحكومات، سواء على مستوى البرلمان أو رئاسة الجمهورية أو الكابينة الوزارية، تعود في جوهرها إلى هذه البنية المتهالكة التي أفرزتها المحاصصة”، محذراً من أن “استمرار هذا النهج لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية".
ويرى متابعون أن هذا السلوك أسهم في إقصاء الكفاءات المستقلة عن مواقع القرار؛ إذ تميل الأحزاب إلى ترشيح شخصيات ضعيفة أو محدودة الخبرة لضمان ولائها السياسي؛ الأمر الذي انعكس سلباً على أداء الوزارات والخدمات العامة، وأضعف ثقة الشارع بقدرة الدولة على الإصلاح.
وفي ظل هذه المعطيات، تؤكد القوى السياسية أنها لا تزال تناقش خياراتها خلال مفاوضات تشكيل الحكومة الحالية، بشأن الوزارات التي ستتفاوض من أجلها.
وفي هذا السياق أكد القيادي في كتلة تقدم، النائب جاسم العطية، أن “الكتلة لا تزال تناقش طبيعة الوزارات التي يمكن أن تخدم جمهورها وتحقق في الوقت نفسه مصلحة عامة للبلد”، لافتا إلى وجود "تشخيص سابق لأداء عدد من الوزراء في الحكومات الماضية".
وأوضح العطية في حديث صحفي أن “بعض الوزراء أساؤوا إلى منهجية العمل الحكومي؛ ما أدى إلى انحراف مسار وزارات مهمة وحساسة، وهو ما جرى تشخيصه داخل الكتلة”، مبينًا أن “تقدم ستتجه لاختيار وزارات تسهم في تصحيح المسار الإداري والخدمي بما يخدم المواطن والدولة”.
وتخضع غالبية الدوائر والمؤسسات الحكومية في العراق لهذا المنطق القائم على التقاسم الحزبي، إذ لم تعد المحاصصة مقتصرة على الوزارات السيادية أو المواقع العليا، بل امتدت لتشمل دوائر خدمية وإدارية بسيطة، جرى إخضاعها لنفوذ الأحزاب وتوزيعها ضمن خارطة الولاءات السياسية والفئوية.
ومع تشظي الأحزاب وتفكك بعض القوى السياسية الكبيرة، وولادة أحزاب وتكتلات جديدة تبحث عن موطئ قدم داخل السلطة، ازدادت صعوبة التوافق على تشكيل الحكومات، في ظل تضارب المصالح وتعدد مطالب الشركاء المحتملين.
ويرى مختصون أن هذا التشتت الحزبي دفع باتجاه تعقيد المفاوضات؛ إذ لم تعد عملية التوافق محصورة بعدد محدود من القوى المؤثرة، بل باتت رهينة مطالب قوى متعددة، تسعى كل منها إلى ضمان حصتها في الحكومة؛ ما أطال أمد التفاهمات وأضعف فرص الوصول إلى صيغة مستقرة وسريعة لتشكيل السلطة التنفيذية.
وتتوزع الوزارات العراقية، البالغ عددها 22 وزارة، وفق تفاهمات سياسية قائمة على منطق المكونات؛ إذ تذهب نحو 12 وزارة إلى المكون الشيعي، مقابل 6 وزارات للمكون السني، فيما تتقاسم القوى الكردية والمسيحية الوزارات المتبقية، ضمن معادلة غير مكتوبة تحكم عملية تشكيل الحكومات المتعاقبة.
وتخضع هذه التوزيعات، إلى جانب بقية المؤسسات والهيئات المستقلة، لمفاوضات داخل كل مكون على حدة، باعتبارها المرحلة الأولى في مسار تشكيل الحكومة، قبل الانتقال لاحقاً إلى توزيع المناصب داخل الوزارة الواحدة، من وكلاء ومديرين عامين ورؤساء هيئات، وفق تفاهمات فرعية بين الأحزاب المنضوية داخل المكون نفسه؛ ما يعمق التقاسم السياسي داخل بنية الدولة ويكرسه على مستويات إدارية متعددة.