بعد أن شنّ المجلس الرئاسي ومجلس الدولة الأعلى في طرابلس هجومًا لاذعًا على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، عشية الإحاطة الدورية بمجلس الأمن عدّل رئيس المجلس محمد المنفي موقفه مرحبًا بما تضمنته من قرارات في سبيل إنهاء حالة الانقسام، وسط ترقب لنتائج عمل لجنة الحوار المهيكل المقرر أن تختتم أعمالها خلال أسابيع.
ورحّب المجلس الرئاسي بما ورد في إحاطة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن، قائلًا إنها تؤسس لضرورة إعادة صياغة المشهد الليبي على نحو واقعي ومتوازن، يستند إلى المرجعيات السياسية الحاكمة، ويهدف إلى إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات الدولة.
وأكد المجلس في بيان دعمه الكامل لأي جهد أممي متوازن يحترم هذه المرجعيات، ويقود إلى مسار جامع يفضي إلى إجراء انتخابات وطنية حرة ونزيهة في أقرب الآجال، وفق قوانين توافقية وبمشاركة جميع الليبيين دون إقصاء، خاصة في ظل ما شهدته المرحلة الأخيرة من "اختراقات وتنازلات ملموسة من عدد من الأطراف السياسية مقارنة بمواقفها السابقة"، بحسب قوله.
لكن المنفي، أبدى للمبعوثة الأممية، في العاصمة طرابلس، تحفظه على الأسس التي جرى على أساسها تشكيل اللجنة المصغّرة "4+4"، مؤكدًا ضرورة التزام أي مسار سياسي بالمرجعيات الدستورية والسيادة الوطنية.
وقد قلّصت البعثة التي تهدف إلى رأب الصدع بين الفاعلين السياسيين لتحقيق المصالحة الوطنية، حجم لجنة "الحوار المهيكل" الليبية في اللحظة الأخيرة، ما أدى إلى خلق توترات وخلافات عميقة.
وشددت المبعوثة تيتيه على ضرورة معالجة الخلافات بين الأطراف وتوحيد جميع مؤسسات الدولة، مطالبة الأطراف الليبية بتنفيذ الإصلاحات التشريعية كما ورد في توصيات اللجنة الاستشارية والحوار المهيكل، بعد انتهاء عملها في يونيو المقبل.
وتستند خريطة الطريق الأممية على ثلاثة مرتكزات، أولها إقرار إطار قانوني للانتخابات الرئاسية، والبرلمانية، مع تعزيز استقلالية المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتوحيد المؤسسات، عبر سلطة تنفيذية واحدة، بالإضافة لمواصلة حوار مهيكل لمعالجة ملفات الحوكمة، والاقتصاد، والأمن، والمصالحة.
ويبدي عضو لجنة الحوار المهيكل ورئيس حزب "نبض الوطن" الليبي، الحمري الشاوش، تفاؤله بتطورات الوضع السياسي في بلاده وبقدرتهم على إنجاز مهامهم في إعداد توصيات عملية وقابلة للتنفيذ تُدرج في التقرير النهائي للحوار المهيكل.
ورأى في حديث لـ"إرم نيوز"، أن هذا الحوار يختلف عما سبقه من حوارات من حيث التكوين والأهداف وآلية العمل والاستمرارية، إذ يُعد الحوار المهيكل مسارًا مؤسسيًا مستمرًا، يعتمد على جلسات مباشرة وغير مباشرة، ويقوم على عمل جماعي بين فاعلين من هياكل مختلفة ومتنوعة تمثل أغلب المكونات المؤثرة في المجتمع، ويهدف إلى معالجة جذور الأزمة عبر توصيات قطاعية قابلة للتطبيق.
وأشار الشاوش إلى أنه كانت الحوارات السابقة جولات متقطعة تقوم على تفاوض بين أطراف متنازعة، وتركّز أساسًا على إيقاف الاشتباكات وتقاسم السلطة وإبرام اتفاقات عامة.
أما بخصوص تعثر مجلسي النواب والدولة في إنجاز الاستحقاقات المطلوبة ضمن خارطة الطريق، والتي يُعد الحوار المهيكل جزءًا منها، أضاف السياسي الليبي أن ذلك يمثل تحديًا حقيقيًا لفرص نجاح المسار الأممي ككل.
ومع ذلك، فإن ما لوحظ مؤخرًا من توافق حول الإنفاق التنموي برعاية واشنطن يعطي مؤشرًا على إمكانية تحقيق تقدم، في حال توفرت عوامل الدفع اللازمة، سواء من خلال الضغوط المحلية أم الدولية.
لكن بالنسبة لمراقبين آخرين، فإن خلق البعثة الأممية لجنة أخرى بصيغة طاولة مصغرة كما سمتها، لبحث القوانين الانتخابية وملء الشواغر في مجلس إدارة المفوضية الوطنية للانتخابات في طرابلس يثير مزيدًا من الجدل.
وقال الحقوقي الليبي أحمد حمزة إن توجه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا نحوّ حصر المسار التوافقي للحل السياسي للأزمة الليبية في لجنة جديدة يعد تجاوزًا لمبادئ الشمولية السياسية وحق المشاركة السياسية.
وقال لـ"إرم نيوز"، إن تغييب مكونات الشعب الليبي عن طاولة صياغة رؤية الحل السياسي وتوحيد المؤسسات وصياغة القوانين المنظمة للانتخابات، ليس مجرد خلل إجرائي، بل هو تقويض لشرعية النتائج المرجوة.
وأكد حمزة أن الاستقرار المستدام لن يتحقق عبر نطاق ضيق، بل من خلال عملية سياسية جامعة شاملة تحترم مشاركة جميع الأطراف المعنية وتضمن الحقوق السياسية للمكونات الليبيّة كافة دون تمييز أو تحيز أو إقصاء.